خطيئة رجال الدين الاصلية
–
تخبرنا الأديان السماوية عن “الخطيئة الاصلية”، وأننا ارتكبناها قبل ولادتنا وتُحمّلنا ذنبها كل حياتنا حتى مماتنا.
خطيئة لم نرتكبها بالتأكيد، نحن البشر الحاليون، وليس ما يؤكد على الاطلاق ان أجدادنا قد ارتكبوها ممثلين بآدم وحواء.
لكن حتى ولو كانت هذه الأسطورة حقيقة – وتأثيرها على البشر قائم وان لم تكن حقيقة- وكانت شجرة التفاح هي شجرة المعرفة التي اردنا استكشاف اسرارها، او هي أجسادنا العاشقة التي اردنا اشباعها، لا يمكن مقارنة خطيئتنا بخطيئة رجال الدين من حيث حجم الأذى الذي الحقته بنا وبصورة الله التي روّجت لها، على حد سواء.
فعلى عكس خطيئتنا، ان خطيئة رجال الدين الاصلية مثبتة وبالجرم المشهود، وتتكرر كل يوم، فهم يضعونك في خصومة مباشرة مع الله منذ ولادتك، أي مع من يقولون انه خلقك، أي مع حياتك ومصدرها. اذ انهم يلقّنونك في جو من التخويف، ان الله يراقبك ويختبرك ويحاسبك، كممارسة دؤوبة ومستمرة لهذه الخصومة.
في هذه الحالة يصبح دور رجال الدين، الذي اخترعوه بأنفسهم ولأنفسهم، هو مصالحتك مع الله، من خلال المشاركة المباشرة في مراقبتك واختبارك ومحاسبتك.
يحتكر رجال الدين ما يُسمّى في السياسة السلطات الدستورية الثلاث: التشريعية أي الإقرار والمراقبة، التنفيذية أي الاختبار، القضائية أي المحاسبة.
عندما تحتكر جهة سياسية السلطات الدستورية الثلاث يصفونها بالمستبدة. حتى في نظام ديمقراطي علماني يعتمد قاعدة فصل الدين عن الدولة وفصل السلطات فيما بينها، يحافظ رجال الدين على دورهم الذي ابتكروه لأنفسم، وهو مصالحة البشر مع الله. ماذا ترانا نقول عن دورهم في مجتمعنا الطائفي، الذي يفتح لهم أبواب الولادة والعائلة والزواج والطلاق والإرث والمدرسة والمستشفى وفراش الموت والمقبرة؟
اميل الى الاعتقاد ان يسوع، كما روت لنا الاناجيل، أراد كسر علاقة الخصومة بين الله والبشر- وهذا بحسب رأيي من أسباب قتله من قبل رجال الدين اليهود- فقد علّم أن القرب من الله- وليس المصالحة معه- تمر بالمصالحة بين البشر، ومن يشرف على هذه المصالحة هم البشر انفسهم. وكأنه كان يريد ان يقول -على مسمع من رجال الدين اليهود الذين كانوا اول من اخترع أسطورة آدم وحواء- ان الخطيئة الاصلية هي العداء بين البشر، ولا خلاص الا بمحبتهم بعضهم لبعض. وأول العداء، وإن لم يقل ذلك، هو الترويج الديني للعداء بين النساء(حواء) والرجال(آدم) والادعاء الآثم ان رغبتهم الجنسية الطبيعية بعضهم ببعض، هي خطيئة.
للأسف لم تشأ الكنيسة المسيحية ان تكمل الطريق التي شقّها يسوع، لأن ذلك يمس بسلطة رجال الدين، فأعلت من شأن الخطيئة الاصلية – مع انها تدّعي ان يسوع جاء ليخلصنا من الخطيئة – وحقّرت الرغبة الجنسية بين البشر ومن قيمة الجسد بشكل عام. ورغم انفتاح الكنيسة الكاثوليكية على قضايا العصر وخاصة مع البابا فرنسيس، لا زالت تتمسك بالخطيئة الاصلية وبنظرة تحقيرية للجسد.
اما الإسلام، الذي يتبنى أسطورة آدم وحواء وفعل الخطيئة الاصلية، ومع ان الاستمتاع بالجنس هو ما يطمح اليه في الجنة كل رجل مسلم، فيسمّي الأعضاء الجنسية ب”العورة”، و”كلمة عورة تعني سَوأَة الإنسان، وكل شيء يستحى منه، وذلك كناية وأصلها من العار لما يلحق من ظهورها من العار أي المذمة.”
وكأن الخطيئة الاصلية وتحقير الجسد شرطان ضروريان لاستمرار البشر بالشعور بالذنب والذل وقبولهم بالتالي بسلطة رجال الدين في مراقبتهم واختبارهم ومحاسبتهم.
هل كنا لنتقبل كل هذا الظلم بحق الإنسان في منطقتنا لو لم نتربّ على احترام خطيئة رجال الدين الاصلية في الأديان السماوية الثلاثة؟ هل كنا لنصدّق ونقدّم ارواحنا فداءً لهذه الحروب التي تُخاض جميعها باسم الله ومهما اختلفت هوية الطرف القاهر فيها؟
خطيئتنا الاصلية المزعومة ليست في الواقع الا اعلاء من قبلنا لقيمة انسانيتنا وتقديرا لها واحتراما لحقها في هزّ أغصان شجرة المعرفة وطرح الأسئلة الوجودية بحرية، وممارسة الجنس بحب وحنان ودون الإحساس بالذنب بل بالامتنان لهذه النعمة التي وهبتنا إياها الحياة.
كيف نحوّل تقديرنا لخطيئتنا الاصلية المزعومة، الى رافعة لزعزعة الأسس التي بنيت عليها خطيئة رجال الدين الاصلية؟
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير