«أصبح المشهد مملًا»… من مهدي عامل إلى سؤال المقاومة

ما الذي يجعل المشهد يتكرر، تتبدل أسماء الضحايا بينما تبقى الأسئلة نفسها، كيف تتحول المقاومة من فكرة لمواجهة الإحتلال إلى سلطة تحتكر تعريفها وتمثيلها، وكيف يصبح الاختلاف معها سبباً للتخوين والإقصاء؟

خاص بوابة بيروت

ثلاثة عقود ونصف تقريبًا مرّت على الرصاصتين اللتين هزّتا بيروت عام 1987؛ الأولى أنهت حياة الشيخ حسين مروة في شباط، والثانية أودت بحياة مهدي عامل بعد ثلاثة أشهر، في شارع الجزائر، بينما كان في طريقه إلى الجامعة اللبنانية. أكثر من ثلاثة عقود تفصلنا اليوم عن تلك اللحظة، لكن المسافة الزمنية لم تُنهِ الأسئلة التي وُلدت من بين الركام والدم. تبدّلت الأسماء والشعارات ومواقع النفوذ، وتغيّرت خرائط الصراع، لكن السؤال بقي حاضرًا فوق بيروت والجنوب: كيف يمكن أن تتحول المقاومة، التي يفترض أن تكون فعلًا لتحرير الإنسان والأرض، إلى سلطة تصادر تعريف المقاومة نفسها؟

تقول الروايات المتداولة إن صحيفة «العهد» نشرت، عقب تأبين مهدي عامل لحسين مروة، تهديدًا له، وإنه أطلع زوجته عليه ساخرًا باعتباره «حكم موته». وبعد أشهر قليلة، اغتيل مهدي عامل في 18 أيار 1987 في شارع الجزائر ببيروت، في مشهد اختصر مرحلة لبنانية كان فيها المثقف والسياسي والمناضل يدفعون أثمانًا باهظة بسبب مواقفهم وانتماءاتهم.

لم يكن اغتيال مهدي عامل حادثة معزولة عن سياقها. فقد سبقه اغتيال حسين مروة، وتلاه تاريخ طويل من الاغتيالات والصراعات التي جعلت من الاختلاف السياسي والفكري في لبنان مسألة حياة أو موت.

وتبقى صورة تشييع مهدي عامل واحدة من أكثر الصور دلالة في تلك المرحلة. فقد قيل إنه لم يجد منابر دينية تحتضن جثمانه بسبب انتمائه الشيوعي، قبل أن يُصلّى عليه في مسجد «سنّي» في الطريق الجديدة. وبينما تختلط تفاصيل الواقعة بالروايات التي تناقلتها الأجيال، بقي المشهد في الذاكرة اللبنانية باعتباره تعبيرًا عن بلد كان الانقسام الطائفي والسياسي فيه قادرًا على ملاحقة الإنسان حتى بعد موته.

وفوق نعشه، نُسب إلى جورج حاوي، أحد أبرز وجوه الحركة الوطنية اللبنانية، قوله: «أصبح المشهد مملًا… أليس كذلك يا رفاق…».

لم تكن الجملة مجرد رثاء لرجل رحل، بل اختزالًا لمشهد لبناني كان يتكرر بصورة مأساوية: وجوه تسقط، ووجوه جديدة تحمل النعوش، وشعارات تبقى على حالها، فيما تتغير أسماء الضحايا.

ما الذي يجعل المشهد يتكرر؟ تتبدل أسماء الضحايا، بينما تبقى الأسئلة نفسها: كيف تتحول المقاومة من فكرة لمواجهة الاحتلال إلى سلطة تحتكر تعريفها وتمثيلها؟ وكيف يصبح الاختلاف معها سببًا للتخوين والإقصاء؟

السؤال لا يتعلق بمراجعة تاريخ المقاومة اللبنانية فحسب، بل بمعنى المقاومة نفسها.

فالجنوب لم يكن يومًا ملكًا لتنظيم، ولا المقاومة وُلدت من رحم حزب واحد. كان أرضًا دفع أهلها الثمن قبل أن تتحول المقاومة إلى مؤسسات وشعارات وتنظيمات. فيه سقط الشيوعي والقومي واليساري والإسلامي والوطني، وعاش اللبنانيون تحت الاحتلال، ودفنت أجيال أبناءها.

لذلك يصبح اختزال المقاومة في تنظيم واحد اختزالًا للتاريخ نفسه، واحتكار المفردة مدخلًا إلى احتكار الذاكرة. وعندما يقدّم طرف واحد نفسه بوصفه الممثل الحصري للمقاومة، يصبح الاختلاف معه أكثر من مجرد خلاف سياسي، وقد يتحول إلى تخوين أو اتهام بالعمالة أو محاولة لإخراج المختلف من دائرة الوطنية.

هنا تبدأ المأساة الحقيقية

فالمجتمعات لا تنهار فقط عندما تُهزم عسكريًا، بل عندما تفقد قدرتها على التمييز بين الوطن والتنظيم، وبين المقاومة والسلطة، وبين التضحية والولاء، وبين الشهادة والاستثمار السياسي في دماء الشهداء.

وإذا كان التاريخ قد علّم اللبنانيين شيئًا، فهو أن الدم لا يمنح أحدًا صك ملكية على الوطن.

مهدي عامل لم يمت ليصبح شعارًا حزبيًا، ومروة لم يُقتل ليصبح موته ذريعة لمزيد من الانقسام. وتضحياتهما، كما تضحيات المقاومين الذين واجهوا الاحتلال ودفعوا أثمانًا باهظة، لا ينبغي أن تتحول إلى ملكية سياسية حصرية أو إلى وسيلة لإسكات النقاش.

كان السؤال أكبر من الأشخاص: إلى متى؟

إلى متى سيبقى لبنان يتذكّر أبناءه بعد رحيلهم، بدلًا من أن يحميهم ويصونهم وهم على قيد الحياة؟ وإلى متى يبقى الجنوب أرضًا يدفع أهلها ثمن القرارات التي تُتخذ باسمهم؟ ومتى تعود كلمة «المقاومة» إلى معناها الأوسع: مقاومة الاحتلال والفقر والفساد والقهر، ومقاومة تحويل المواطن إلى تابع، بدل اختزالها في تمثيل حصري لمن يمتلك السلاح؟

ربما كان جورج حاوي أكثر بلاغة مما أراد حين نُسب إليه قوله: «أصبح المشهد مملًا».

كان المشهد مملًا لأن الضحايا يتبدلون، فيما تبقى الشعارات، ولأن لبنان ظل يدور في الحلقة نفسها: موت، تشييع، خطاب، تخوين، ثم موت جديد.

لكن الوطن لا يمكن أن يبقى أسير هذه الحلقة.

لبنان يحتاج إلى أن يتذكر مقاوميه بوصفهم جزءًا من تاريخه، لا بوصفهم ملكية سياسية لأحد. ويحتاج الجنوب إلى أن يُقرأ باعتباره أرضًا لبنانية يسكنها أهلها، لا ساحة مفتوحة للصراعات. وتحتاج كلمة «المقاومة» إلى أن تبقى فعلًا وطنيًا في مواجهة الاحتلال والظلم، لا امتيازًا سياسيًا يمنح صاحبه حق تعريف الوطنية وتحديد حدودها.

ذلك هو الدرس الذي يبقى من مهدي عامل، لا صورته وحدها: أن المقاومة ليست ميراثًا، وأن الجنوب ليس ساحة، وأن الشهادة ليست ملكًا سياسيًا، وأن الاعتراف بتضحيات المقاومين لا يستلزم منح أي تنظيم حق احتكار تعريف المقاومة أو تمثيل الوطن.

لبنان أكبر من أي تنظيم، وأبقى من أي شعار، وأحق بالحياة من كل الذين جعلوا الموت طريقًا وحيدًا إلى تعريف الوطنية.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك