فرنسا العلمانية تستقبل البابا : عندما تلتقي الجمهورية بجذورها المسيحية
بدأت فرنسا تشهد تراجعًا في الانتماء والممارسات المسيحية، بالتوازي مع توسّع العلمنة في المجتمع...
خاص بوابة بيروت
زار البابا لاوون الرابع عشر فرنسا من ٢٥ إلى ٢٨ أيلول، وتحمل هذه الزيارة معانٍ دينية وسياسية كثيرة. في مفارقة تختصر قرونًا من التاريخ الفرنسي، تستقبل فرنسا الجمهورية، التي جعلت من العلمانية وفصل الدين عن الدولة أحد أسس نظامها، رأس الكنيسة الكاثوليكية. بلدٌ يمتد تاريخه المسيحي والملكي لأكثر من ١٣٠٠ عام، يجد نفسه اليوم أمام مشهد يجمع بين إرثٍ ديني عميق ودولةٍ علمانية راسخة.
ولكن لماذا فرنسا تحديدًا؟
كانت فرنسا تاريخيًا الابنة الكبرى للكنيسة، فمنذ اعتناق كلوفيس الأول المسيحية الكاثوليكية في نهاية القرن الخامس، بقيت فرنسا على تحالف وثيق مع الكاثوليكية لأكثر من ثلاثة عشر قرنًا، حتى الثورة الفرنسية عام ١٧٨٩، التي بدأت تفكك نفوذ الكنيسة. وفي عام ١٩٠٥، أصدرت فرنسا قانونًا كرّس العلمانية وفصل الدولة ومؤسساتها عن الكنيسة، فأصبحت الجمهورية هي صاحبة القرار.
وبدأت فرنسا تشهد تراجعًا في الانتماء والممارسات المسيحية، بالتوازي مع توسّع العلمنة في المجتمع.
فهل زيارة البابا هي زيارة إلى بلد مسيحي، أم إلى بلد يحمل إرثًا مسيحيًا أكثر مما يعيش مسيحيته؟
البابا لاوون يفتح مجالًا للتشاور مع فرنسا بالرغم من علمانيتها. ففي زيارته إلى الإليزيه، تحدث البابا مع ماكرون عن العلاقة بين فرنسا والفاتيكان، والوضع في أوكرانيا، والشرق الأوسط، وأفريقيا، والتغير المناخي والذكاء الاصطناعي. وبالرغم من أهمية هذه المواضيع، فهناك رسالة ثانية لهذه الزيارة، رسالة مبطنة.
وهذه الرسالة تكمن في التوقيت!
من الواضح أن فرنسا في القرن الحادي والعشرين ابتعدت، في بعض خياراتها التشريعية والمجتمعية، عن عدد من المبادئ والقيم المسيحية الكاثوليكية: زواج المثليين الذي شُرّع عام ٢٠١٣، وتوسيع اللجوء إلى المساعدة الطبية على الإنجاب عام ٢٠٢١ بما أتاحها أيضًا للنساء غير المتزوجات، وإدخال ضمان اللجوء إلى الإجهاض في الدستور سنة ٢٠٢٤، وصولًا إلى التطورات التشريعية المتعلقة بـ«المساعدة على الموت» التي أُقرّ قانونها في عام ٢٠٢٦.
كيف يزور رأس الكنيسة الكاثوليكية بلدًا جعل من العلمانية أحد أعمدة هويته الجمهورية، في وقت تتباعد فيه بعض خيارات المجتمع والقانون الفرنسي عن الرؤية المسيحية للإنسان والأسرة والحياة؟
جاء البابا ليؤكد أن فرنسا ذات جذور مسيحية، بالرغم من كل ما يجري في سياستها، وأن هناك وجودًا عميقًا وفاعلًا للمسيحيين في البلاد: فقد حضر نحو ٨٠٠ ألف شخص القداس الإلهي الذي احتفل به البابا في ساحة الكونكورد، إلى جانب لقاءات عدة مع الشباب المسيحي والإكليريكيين.
فاختيار فرنسا ليس مجرد اختيار دولة، بل اختيار منبر للعالم عامة، ولأوروبا خاصة. فلو كانت العلمانية هي النظام الأساسي في معظم الدول المتطورة والحضارية، فإن ذلك لا يلغي أبدًا وجودًا مسيحيًا قويًا وراسخًا في تلك الدول.
وقد أكد البابا في خطابه أن فرنسا هي أرض ذات جذور مسيحية عميقة، وأن روح الأمة الفرنسية استمدت من المسيحية زخمًا روحيًا وثقافيًا وفكريًا وفنيًا ورساليًا لا يزال أثره حاضرًا في العالم حتى اليوم. كما ربط بين شعارات الجمهورية الفرنسية: الحرية والمساواة والأخوّة، وبين القيم الأخلاقية التي تجد، بحسب خطابه، مصدر إلهام في رسالة الإنجيل.
هل تستطيع دولة أن تفصل الدين عن مؤسساتها، من دون أن تفصل نفسها عن تاريخها وجذورها الثقافية والدينية؟
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير