متفجرات ضهر البيدر تفجّر الدّولة من جديد

فالهدف من وجود الدّولة هو للوصول إلى سلام دائم مع إسرائيل. وإذا هذه الدّولة بالذات لن تستطيع تحقيق هذا الهدف، وستبقى بحالة الممايعة واللعب على المصطلحات مع الأميركي فهذا يعني أنّنا بتنا على قاب قوسين من إطلاق آلة الحرب الإسرائيليّة لتعود وتفتك أكثر. فأميركا لا تحابي الدّولة اللبنانيّة، ولا تتملّق إسرائيل لتوقّع مع لبنان اتّفاق السلام...

خاص بوابة بيروت

نقلت متابعة صحافية، استنادًا إلى مصدر قضائي، ضبط شحنة قيل إنها تضم نحو 250 كيلوغرامًا من TNT و250 كيلوغرامًا من C4، إضافة إلى كرات حديدية ومسامير، وتوقيف شخصين. كما انتشرت أحاديث صحفيّة أفادت أنّ الكميّة وصلت إلى حدّ 800 كيلوغرامًا. هذا ما دفع وزير العدل عادل نصّار بالإعلان عن التمسك بملاحقة السلاح غير الشرعي والخارجين عن القانون.

بانتظار نتائج التحقيق النهائيّة بدأت تتكشّف بعض المعلومات حول وجهة هذه الشاحنة التي كانت متّجهة نحو ضاحية بيروت، إضافة إلى توقيف عنصرين من منظمة حزب الله. هذه الحادثة أثبتت مرّة إضافيّة على إصرار منظّمة حزب الله على تحدّي الدّولة اللبنانيّة من جهة والمجتمع الدّولي من جهة ثانية. ولا سيّما الإدارة الأميركيّة.

لن نغوص في نوعيات المتفجّرات وطبيعة استعمالها المعروفة سلفًا. إضافةً إلى ذلك الطريق التي كانت تسلكها الشاحنة الموقوفة تؤكّد أنّ استعمال هذا النّوع من المتفجّرات ليس إسنادًا لغزّة. ومَن يستطيع أن يؤكّد أنّ هذه الشاحنة الأولى التي تمّ ضبطها، ولم يعبر غيرها المئات والمئات؟ ومن يستطيع أن يؤكّد حجم الحمولات التي وصلت إلى الوجهة نفسها أي الضاحية؟

لا يمكن للسلطات اللبنانية اليوم أن تكتفي بتحقيقات كلاسيكيّة، ولا سيّما أنّ الكلام الذي قاله وزير الخارجية الأميركي، مسؤول الأمن القومي ماركو روبيو في نيويورك واضح جدًّا وهو الذي ربط أي دعم بتنفيذ الاطار الثلاثي، الذي لم ينفّذ أي شيء منه بعد. وهذه الحادثة أكّدت ذلك مرّة جديدة. قرار 7 آب في الثلاجة. وأمام الدّولة فرصة استكمال التحقيقات حتى تفكيك سلسلة القيادة بكاملها، ولو استدعى الأمر أن تشمل الأمين العام لمنظّمة حزب الله نعيم قاسم.

فالهدف من وجود الدّولة هو للوصول إلى سلام دائم مع إسرائيل. وإذا هذه الدّولة بالذات لن تستطيع تحقيق هذا الهدف، وستبقى بحالة الممايعة واللعب على المصطلحات مع الأميركي فهذا يعني أنّنا بتنا على قاب قوسين من إطلاق آلة الحرب الإسرائيليّة لتعود وتفتك أكثر. فأميركا لا تحابي الدّولة اللبنانيّة، ولا تتملّق إسرائيل لتوقّع مع لبنان اتّفاق السلام.

فهذا الاتّفاق هو هدف المهندس الأكبر” ماركو روبيو”. ومنطلَقُه اتّفاق الإطار لفكّ الارتباط الذي نسجته دولة حزب الله ورئيسها نبيه برّي طوال أربعين سنة، تارة مع نظام البعث واليوم مع نظام الملالي. هذا الزّمن سقط. ولن يعود.

فهذه الدّولة لا تريد من الولايات المتّحدة أن تكون إلى جنبها لأنّها حتّى الساعة رافضة أن تستعمل وسائلها التنفيذيّة لتستعيد سيادتها. فهي رافضة أن تتحرّر بذاتها، والأدهى أنّها رافضة أيضًا أن يتمّ تحريرها بفعل الديبلوماسيّة. لذلك كلّه، يبدو أنّ شاحنة ضهر البيدر ستطلق شرارة التحرير بالقوّة المفرطة.

‏

دوليًّا، هذه الدّولة بالذات لا تزال متمسّكة بموعد جلسة المفاوضات العسكرية اللبنانية–الإسرائيلية في فلوريدا غير المثبت رسميًّا حتّى الساعة؛ وتتداول التقارير نافذة بين 20 و22 تشرين الأول. فيما سرّبت تقارير أخرى عن احتمال تأجيله إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيليّة. وأعتقد أنّ حادثة ضهر البيدر ستنعكس سلبًا على هذا المسار، وقد لا تقوم الولايات المتّحدة بخطوة تراجعيّة لإعطاء الزّخم المفاوضاتي لبثّ الحياة في المؤسسات اللبنانية القاصرة.

فيما لا يمكن تفسير قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلغاء أربعة قرارات رئاسية كانت تقيّد النقل الجوي مع لبنان بأنّ÷ سيؤدّي حكمًا إلى إزالة القيود السياسية. كل شيء سيبقى مرتبطًا بمدى قدرة هذه الدّولة بالتحديد على ان تكون الدّولة التي يراد لها أن تكون، ولا تكون حتّى الساعة. واقتصاديًّا هذا الانفتاح الأميركي والإصلاحات المالية المحتملة يتيحان فرصة، لكنهما لن يصنعا تعافيًا من دون حوكمة ومحاسبة وإعادة بناء الثقة والأهمّ من دون السلام بصيغته المطلوبة.

وفي مقارنة تاريخيّة بسيطة، لقد أثبتت تجربة اتفاق الهدنة لعام 1949، وتفاهم نيسان 1996، والقرار 1701 بعد حرب 2006، أن النصوص والترتيبات الدولية وحدها لا تضمن الاستقرار إذا لم تقترن بقدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها. واليوم، لا يكفي تكرار الصيغ السابقة؛ المطلوب معالجة أصل المشكلة، أي ازدواجية القرار الأمني والسيادي والانتهاء بشكل كلّيّ من الدّولة الرديفة بهدف الوصول إلى السلام.

ولكن بين نار الميدان، ونار الاقتصاد، وتجمّد المسارات الديبلوماسيّة، واستمرار منظّمة حزب الله بمساراتها العسكريّة والأمنيّة لكأنّ قرارات 7 آب غير موجودة سيدفع الأميركي إلى مسارين:

– الأوّل عمليّة تطهير شاملة لمؤسسات الدّولة حتّى يستطيع بناء منظومة حاكمة تستطيع أن تنهي هذه الحالة الشاذّة. ولن تقبل هذه الدّولة بأن تطهّر ذاتها بذاتها.

– الثاني إطلاق اليد العسكريّة الإسرائيليّة لتنفيذ ما رفضت الدّولة اللبنانيّة تنفيذه. وهذا ما سيتماشى مع عمليّات متكاملة على صعيد المنطقة ككلّ لأنّه من غير المسموح أن تتعرّض الدّول العربيّة للاعتداءات بهذا الحجم ولا يتمّ تفعيل الرّدّ عملًا بمعاهدات الدفاع المشتركة.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك