إسرائيل فوق القانون؟ حين يتحول الأمن القومي إلى ذريعة لانتهاك سيادة الدول وحقوق الشعوب
ان أخطر ما يواجه القانون الدولي ليس وقوع الانتهاكات وحدها، بل الاعتياد عليها، وتحويلها إلى أحداث يومية تُقابل ببيانات دبلوماسية لا تتبعها مساءلة حقيقية، حتى يصبح استخدام القوة أمرًا واقعًا تتراجع أمامه المبادئ القانونية...
خاص بوابة بيروت
إلى متى تستطيع إسرائيل استخدام مفهوم الأمن القومي لتبرير عمليات عسكرية تتجاوز حدودها، وتنتهك سيادة الدول، وتعرّض حياة المدنيين للخطر، بينما يكتفي المجتمع الدولي بالإدانة دون اتخاذ إجراءات فعالة تضمن احترام القانون الدولي؟
لم تعد القضية محصورة في مواجهة عسكرية واحدة، فما يجري في سوريا ولبنان وقطاع غزة والضفة الغربية يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل النظام الدولي، ومدى قدرته على إخضاع جميع الدول لقواعد قانونية موحدة، بعيدًا عن النفوذ السياسي والتحالفات الاستراتيجية.
إن أخطر ما يواجه القانون الدولي ليس وقوع الانتهاكات وحدها، بل الاعتياد عليها، وتحويلها إلى أحداث يومية تُقابل ببيانات دبلوماسية لا تتبعها مساءلة حقيقية، حتى يصبح استخدام القوة أمرًا واقعًا تتراجع أمامه المبادئ القانونية.
الأمن القومي ليس تفويضًا مفتوحًا للحرب
يحظر ميثاق الأمم المتحدة، بموجب المادة الثانية في فقرتها الرابعة، استخدام القوة ضد سلامة أراضي الدول أو استقلالها السياسي، بينما تقر المادة الحادية والخمسون حق الدفاع عن النفس عند وقوع هجوم مسلح، ضمن شروط قانونية محددة.
غير أن هذا الحق لا يشكل تفويضًا مفتوحًا لتنفيذ العمليات العسكرية خارج الحدود، ولا يسمح بتحويل المخاوف الأمنية إلى مبرر دائم للتدخل العسكري. فالدفاع المشروع عن النفس يخضع لمبدأي الضرورة والتناسب، كما تبقى حماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني التزامات لا يجوز تجاوزها.
ومن هنا، ينبغي إخضاع العمليات الإسرائيلية للمعايير القانونية نفسها التي يفترض تطبيقها على جميع الدول، دون استثناءات تفرضها اعتبارات القوة أو التحالفات السياسية.
سوريا: السيادة الوطنية تحت ضغط القوة العسكرية
منذ احتلال إسرائيل للجولان السوري عام 1967، بقيت السيادة السورية قضية أساسية في القانون الدولي.
وقد أكد مجلس الأمن، بموجب قراره رقم 497 لعام 1981، بطلان قرار إسرائيل فرض قوانينها وإدارتها على الجولان المحتل، فيما نظم اتفاق فصل القوات لعام 1974 الترتيبات العسكرية بين الجانبين بإشراف الأمم المتحدة.
وخلال سنوات حكم نظام بشار الأسد الديكتاتوري، نفذت إسرائيل غارات متكررة داخل سوريا، مبررةً عملياتها بمواجهة التمركز العسكري الإيراني ومنع نقل الأسلحة إلى حزب الله.
غير أن سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، وما رافقه من تراجع كبير للنفوذ العسكري الإيراني وانحسار وجود حزب الله، لم يؤدِّ إلى توقف العمليات الإسرائيلية، بل استمرت الغارات الجوية والتوغلات البرية، واتسع الوجود العسكري الإسرائيلي في مناطق جنوب سوريا.
وتبرز المفارقة في ظل المواقف المعلنة للحكومة السورية الجديدة، التي أكدت أن أولوياتها تتمثل في إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، ومعالجة آثار الحرب، وتحقيق الاستقرار والسلام، بدلًا من الدخول في مواجهات عسكرية جديدة مع إسرائيل أو غيرها.
فإذا كانت مواجهة إيران وحزب الله تشكل إحدى الذرائع الرئيسية للعمليات الإسرائيلية خلال المرحلة السابقة، فإن استمرار القصف والتوغل بعد سقوط النظام يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة التهديدات الحالية، وما إذا كانت العمليات تستجيب لضرورات دفاعية محددة أم تسعى إلى فرض ترتيبات عسكرية وجغرافية جديدة.
ولا تمنح المخاوف الأمنية أي دولة حقًا مطلقًا في استخدام القوة داخل أراضي دولة أخرى، كما أن إقامة مواقع عسكرية وفرض السيطرة على مناطق خارج الحدود يثيران إشكاليات قانونية تتعلق بالسيادة وحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة.
إن السيادة السورية ليست امتيازًا مرتبطًا بنظام سياسي معين، بل حق ثابت للدولة وشعبها. فالسيادة لا تسقط بسقوط الأنظمة، ولا يجوز أن تتحول مرحلة إعادة بناء سوريا إلى فرصة لفرض وقائع عسكرية جديدة على أراضيها.
لبنان: السيادة في مواجهة العمليات العسكرية
يشكل لبنان ساحة أخرى تتجلى فيها إشكالية استخدام القوة تحت عنوان الأمن القومي، في ظل المواجهات المتكررة بين إسرائيل وحزب الله وما خلفته من خسائر بشرية وأضرار واسعة بالبنية التحتية.
وقد وضع قرار مجلس الأمن رقم 1701 لعام 2006 إطارًا لوقف الأعمال العدائية وتعزيز الاستقرار في الجنوب اللبناني، غير أن استمرار العمليات العسكرية والتوترات الحدودية يكشف هشاشة الالتزام بهذه الترتيبات.
وتبرر إسرائيل عملياتها باستهداف القدرات العسكرية لحزب الله وحماية سكانها من الهجمات. ورغم أن استهداف المدنيين الإسرائيليين محظور بموجب القانون الدولي الإنساني، فإن ذلك لا يبيح توسيع العمليات العسكرية دون قيود، أو التعامل مع الأراضي اللبنانية باعتبارها ساحة مفتوحة للقصف والتدخل.
فوجود جماعة مسلحة داخل دولة لا يلغي سيادتها، ولا يسقط حقوق سكانها المدنيين. كما أن الرد على التهديدات الأمنية يجب أن يظل خاضعًا لقواعد الضرورة والتناسب والتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية.
ولا يمكن تحقيق أمن مستدام عبر إبقاء السكان على جانبي الحدود تحت تهديد الحرب، وإنما من خلال احترام السيادة والالتزام بالقرارات الدولية ومنع الاعتداءات على المدنيين.
غزة: حماية المدنيين أمام اختبار القانون الدولي
في قطاع غزة، كشفت العمليات العسكرية الإسرائيلية عن أزمة إنسانية وقانونية عميقة، في ظل الدمار الواسع والنزوح والمعاناة الإنسانية والقيود المفروضة على وصول المساعدات.
فالهجمات التي نفذتها حماس وجماعات مسلحة أخرى ضد المدنيين في إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، وما رافقها من قتل واحتجاز رهائن، لا تبرر انتهاك حقوق السكان الفلسطينيين أو تجاوز القواعد التي تحكم العمليات العسكرية.
ويحظر القانون الدولي الإنساني العقوبات الجماعية وتجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب، كما يفرض التمييز بين المدنيين والمقاتلين، ويحظر الهجمات العشوائية وتلك التي يُتوقع أن تسبب أضرارًا مدنية مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية المباشرة والملموسة المنتظرة.
ولا يكفي إعلان أن منشأة مدنية تمثل هدفًا عسكريًا لتبرير استهدافها، بل يجب إثبات توافر الشروط القانونية التي تسمح بذلك.
إن حماية المدنيين ليست مسألة تقديرية تخضع لإرادة الجيوش، وإنما التزام قانوني ثابت، ولا يجوز أن يتحمل السكان نتائج قرارات عسكرية أو سياسية لم يشاركوا في اتخاذها.
الضفة الغربية: الاحتلال والاستيطان وفرض الأمر الواقع
في الضفة الغربية، تتجسد الأزمة في استمرار الاحتلال الإسرائيلي والتوسع الاستيطاني والاقتحامات والاعتقالات والقيود المفروضة على حياة الفلسطينيين.
وقد خلصت محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري الصادر في 19 يوليو 2024، إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وأكدت ضرورة إنهائه بأسرع ما يمكن، ووقف الأنشطة الاستيطانية الجديدة.
ويمثل هذا الموقف القضائي تأكيدًا على أن الاحتلال لا يمنح دولة الاحتلال حق اكتساب السيادة على الأراضي، وأن الاعتبارات الأمنية لا تبرر تغيير وضعها القانوني أو حرمان سكانها من حقوقهم الأساسية.
ولا يمكن الحديث عن تسوية سياسية عادلة بينما تستمر السياسات التي تؤثر في الجغرافيا والتركيبة السكانية، وتقوض إمكانية ممارسة الشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير.
ازدواجية المعايير وأزمة المساءلة الدولية
تكمن إحدى أبرز مشكلات النظام الدولي في الفجوة بين النصوص القانونية وآليات تنفيذها، ولا سيما عندما تتعلق الانتهاكات المحتملة بدول تتمتع بدعم سياسي وعسكري من قوى مؤثرة.
فمجلس الأمن يمتلك صلاحيات واسعة لحفظ السلم والأمن الدوليين، لكن الحسابات السياسية واستخدام حق النقض قد يحولان دون اتخاذ إجراءات فعالة.
وفي المقابل، توفر محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية وآليات الأمم المتحدة أدوات قانونية للمساءلة ضمن اختصاصاتها، غير أن فعاليتها ترتبط بمدى تعاون الدول واحترامها لالتزاماتها الدولية.
ولا تعني المساءلة إصدار أحكام مسبقة، بل إجراء تحقيقات مستقلة تستند إلى الأدلة وتحدد المسؤوليات وفق القانون، دون أن تتحول التحالفات السياسية إلى وسيلة للحماية من المحاسبة.
فالمشكلة ليست في غياب القواعد القانونية، وإنما في الانتقائية التي تعرقل تطبيقها.
في الختام.. هل أصبحت القوة أقوى من القانون؟
إن ما يجري في سوريا ولبنان وغزة والضفة الغربية يتجاوز حدود النزاعات الإقليمية، ليطرح سؤالًا يتعلق بمستقبل النظام الدولي نفسه: هل تستطيع دولة أن تجعل من أمنها القومي مبررًا دائمًا لاستخدام القوة خارج حدودها، دون الخضوع للمساءلة؟
لا خلاف على حق الدول في حماية سكانها، لكن هذا الحق لا يلغي سيادة الدول الأخرى، ولا يبيح استهداف المدنيين أو فرض السيطرة العسكرية على أراضٍ أجنبية.
إن إسرائيل، شأنها شأن جميع الدول، ملزمة باحترام ميثاق الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف والقرارات الدولية ذات الصلة، ولا يجوز أن تتحول اعتبارات الأمن القومي إلى استثناء دائم من هذه الالتزامات.
وإذا كان المجتمع الدولي جادًا في حماية النظام القائم على القانون، فعليه أن يثبت أن قواعد العدالة لا تتغير بتغير هوية الدولة أو قوة حلفائها.
فالعدالة التي تُطبق على الضعفاء وحدهم ليست عدالة، والقانون الذي يعجز عن مساءلة الأقوياء يفقد تدريجيًا قدرته على حماية الجميع.
ويبقى السؤال الأهم: هل يريد العالم نظامًا دوليًا تحكمه قواعد القانون، أم نظامًا تصبح فيه القوة العسكرية هي التي تحدد حدود السيادة وحقوق الشعوب
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير