النزوح الريفي في لبنان، نزيف ديموغرافي واقتصادي… هل من حلول؟

"في عصرنا الرقميّ، لم يعد الريف تلك البقعة الجغرافيّة المعزولة، كما لم يعد أسير أنماط الحياة التقليديّة، بل هو ريف ذكي، منتِج، وموصول بالعالم"...

خاص بوابة بيروت

سقى الله أيّام كان يُقال : “هنيئًا لمن له مرقد عنزة في جبل لبنان”، أو “الحجر مطرحه قنطار”، أو “زؤان بلادك ولا القمح الصليبي”،… وغيرها من العبارات التي تدلّ على مدى تعلّق أبناء الريف اللبناني (إجمالًا الجبل) بالموقع الذي يعني لهم أصولهم وانتماءهم ومورد رزقهم. في ذلك الزمان، كان أبناء الريف متصالحين مع مصاعب العيش، ساعين الى استثمار كل شبر أرض، وكل نقطة ماء. كانوا متجذّرين في أرضهم، وإذا اضطرّتهم الظروف للانتقال قسرًا والنزول في أماكن جديدة، تجلّدوا على حمل المشقّة، وعوّضوا الخسارة الآنيّة بربح مستدام. وما أجمل البلدات والقرى اللبنانيّة التي تزيّنت بحارات القرميد، مع عودة كلّ مغترب، وكلّ ناجح في ميادين العلم والتجارة، ليردّوا الجميل الى الأرض التي أعطتهم، ذات يوم، نسمة الحياة.

ماذا جرى لهذا الريفيّ الصّلب؟ ولماذا تبدّلت أولويّاته؟ إذ بات اليوم شبه مرتبط بأرضه، هاربًا من صعوباتها، ناكرًا لانتمائه الجغرافيّ والتاريخيّ…

واقع النزوح الريفي في لبنان

عند نشأة لبنان الكبير، كان التوزّع الديموغرافي على الشكل التالي : 70 % من سكان لبنان يقيمون بشكل دائم في الريف، و30 % في المدن. إلّا أنّه، بأقل من مائة سنة، انقلبت المعادلة لتصبح 15.6 % في الريف و 84.4 % في المدن .

بِغَضّ النظر عن الأسباب الأمنيّة التي أجبرت، أحيانًا، سكان بعض المناطق الريفيّة على ترك ديارهم، هناك حزمة من الأسباب الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي ساهمت بشكل فعّال، ومتواصل، بتفريغ المناطق الريفيّة من ساكنيها. وهي على التوالي :

– الجاذب الخدماتي الاقتصادي الذي قدّمته بيروت وسائر المدن، الى أهل الريف، والذي تمثّل بوفرة فرص العمل، وثبات الدخل الشهري، وتأمين الضمانات الصحيّة والاجتماعيّة، بالإضافة الى وجود المدارس والجامعات الرسميّة والخاصّة، والمستشفيات وغيرها… مغرياتٌ لم يكن للعمال الريفيّين نصيبٌ فيها.

– ضعف القطاع الزراعي : حيث كان المزارع اللبناني يواجه وحيدًا، صعوبة التسويق، وانخفاض الأسعار، وغياب الارشاد، فضلًا عن هشاشة البنى التحتيّة كالطرقات، وأقنية الرّي، وتلكّؤ المختبرات في توجيه القطاع.

– البحث عن آفاق حياتيّة جديدة : وفي مقدّمتها الآفاق الثقافيّة حيث وجد التوّاقون الى خوض غمار التأليف والنشر وتأسيس المطابع ودُور النشر، وبخاصّة الإعلاميّة، مجالاتٍ مفتوحة أمامهم، في وقت كانت فيه بيروت منتدى الثقافة الأوّل في العالم العربي، كذلك الأمر في الاختصاصات الخدماتيّة كالطّب والمحاماة والتعليم والهندسة، والأسلاك العسكريّة. فعلى سبيل المثال، شهدت بلدة “قيتولي” في قضاء جزين مثلًا، (المعروفة بارتفاع نسبة المتعلّمين)، نزوح شبابها وعائلاتها للاستقرار في بيروت، منذ أربعينات القرن الماضي، فكان منها الصحافيّون، والأطبّاء والمحامون… وفرغت البلدة، طوعًا، من سكانها قبل أيّ طارئ أمنيّ يجبرهم على ذلك.

نتائج النزوح الريفي

من الطبيعي أن يترك النزوح الريفي بصمتَه عل الريف كما على المدينة، وآثاره السلبيّة تتطغى على الإيجابيّات. لذلك، تسعى الدول المتحضّرة لخلق حركة نزوح معاكسة، من المدينة الى الريف، مدعومة بضمانات ومغريات متنوّعة اجتماعيّة واقتصاديّة وخدماتيّة (Rurbanisation).

ومن هذه الانعكاسات السلبيّة نذكر :

• ارتفاع نسبة المسنّين في الريف، بسبب هجرة الفئات الشابّة واليد العاملة النشيطة، ممّا يفقد الأرياف طاقتها الإنتاجيّة.

• إهمال الأراضي الزراعيّة، وتراجع الإنتاج المحلّي وزيادة الاعتماد على الاستيراد، وصولًا الى فقدان الأمن الغذائي.

• قلّة اهتمام وَرَثة الملكيّات المشتركة بالاستثمار، وتراكم تعقيدات الإرث القانونيّة، وهذا ما يدفعهم الى تفضيل بيع الملكيّة لأيّ كان، وأحيانًا بأبخس الأسعار.

• انتشار اليد العاملة الغريبة في معظم الملكيّات المهجورة، وخلق أمر واقع فيها، قد يصعب التعامل معه في ما بعد.

إضافة الى ما سبق، هناك أيضًا المشكلات الطبيعيّة التي تنتج عن قلّة صيانة المدرّجات (الجلول)، كانجراف التربة، وانتشار الأخاديد على المنحدرات، وانتشار الحرائق المفتعلة وغير المفتعلة، وتسلّط المستثمرين بالمقالع والمرامل على مساحات كبيرة منها. خسارةٌ، قد نحتاج الى آلاف السنين لتعويضها.

وتبقى المعالجة ممكنة، شرط وجود التصميم الجِدّي

درجت العادة في السنوات الأخيرة، أن تُقام بعض النشاطات بهدف تنمية الريف وتصويب الاهتمامات نحوه. لكنّ، هذه النشاطات الموسميّة لم ولن تقدّم أيّ خدمة تنمويّة للريف ولأهله. فالبرامج المعتمَدة، خاصّة في فصل الصيف، لا تستطيع إحياء الحركة لأكثر من أيّام معدودة. وما نشهده من حفلات، ومسابقات رالي، وتحضير المونة البلديّة، وإقامة العشاء القرويّ، وغيرها من الأفكار التي يُقصد بها خلق ديناميّة مضافة، تنحصر نتائجها بالمدّة الزمنيّة الملاصقة للحدث. وبعدها، يعود كل شيء الى روتينه المُمِلّ، مع انتهاء الهمروجة ومفاعيلها.

بكل موضوعيّة، الريف اللبناني بحاجة الى تنمية مستدامة، 24/24، و7/7، بحاجة الى برامج مدروسة، وموثوقة، ومدعومة، وبحاجة أيضًا الى همم مقتنعة بالاستثمار، لآجال طويلة، تساهم في تحريك الميكرو-اقتصاد الملائم لطبيعة المنطقة.

قد يحتار الباحث في هذه المواضيع، بين المعالجة الاستراتيجيّة الشاملة، والمعالجة الجزئيّة المحدودة. فلكلّ منهما، صعوباتها ومحاذيرها، ولها أيضًا فرص نجاحها. لذلك سوف نجمع بين الاثنتين، تماهيًا مع السياسة العصريّة لإدارة المشاريع التنمويّة، في الدول المتطوّرة.

في الاستراتيجيّة الشاملة، هناك جملة من الخطوات المطلوبة من المراجع الرسميّة المعنيّة بالأمر، نختصرها بما يلي :

– تسهيل مشاريع الاستثمار في الملكيّات الكبيرة التي تشهد تضاربًا في عمليّة التوريث، من خلال قوانين مبسّطة وقابلة للتطبيق، وبأقلّ كلفة ممكنة.

– دعم المناطق الريفيّة بشبكة من البنى التحتيّة المتكاملة، وتشجيع الاستثمار فيها بكلفة رمزيّة، بالإضافة الى منحهم بعض الإعفاءات الضريبيّة والحوافز الماليّة.

– دعم المستثمرين ببرامج توعيّة، ترشدهم الى الخيارات الحديثة، الأكثر إنتاجيّة، والمتآلفة مع رؤية التنمية المستدامة (مثلًا، تشجيع التصنيع الزراعي).

– تأمين القروض الميسّرة للمستثمرين، وحماية إنتاجهم من المنافسة الأجنبيّة، وتأسيس تعاونيّات زراعيّة تساعدهم على تنظيم التسويق وتخفيض الكلفة .

في هذا السّياق، لا بدّ من التنويه بمبادرة وزير الزراعة د. نزار هاني، التي أطلقها في وزارة الزراعة، في 13 تشرين الأول الفائت ، بالتعاون مع مجلس الانماء والاعمار وبرنامج الأمم المتحدة الانمائي، وبتمويل من البنك الدولي، من خلال مِنَح زراعيّة ذكيّة مناخيًّا، بقيمة 20 مليون دولار، وهي تهدف إلى تمكين المزارعين والتعاونيّات والجمعيّات الزراعيّة من تحسين الإنتاجيّة وزيادة القدرة على الصمود والاستدامة.

أمّا الاستراتيجيّة الجزئيّة، المعروفة بشكل واسع في لبنان، فهي مرتبطة بشخصيّة صاحب المبادرة واندفاعه، ومدى التزامه بمعايير الجودة لكي يستطيع دخول الأسواق العالميّة وفرض منتوجاته، طارحًا المنافسة من خلال النوعيّة الجيّدة، والكميّة التي تلبّي حركة الطلب في الأسواق.

وللشهادة الموضوعيّة، لا بدّ من التنويه بشخصيّات لبنانيّة مرموقة، مبادِرة، ساعية الى الأفضل. التزمت هذه الشخصيّات بالمبادئ التي تساهم في نجاح الاستثمار في المناطق الريفيّة، واختارت المجال الملائم لطبيعة المنطقة وخيراتها، وأسّست لسنوات طويلة من الانتاج المضطرد، واستأهلت جوائز عالميّة يفتخر بها لبنان.

من هذه الأسماء نذكر :

– المهندس شربل أبو جودة صاحب مشروع زراعة الزيتون المكثّف (C Bio Jaoude) في بلدة الفاكهة – البقاع الشمالي، الذي يقدّمه كبديل اقتصادي وتنموي ناجح ومستدام للمزارعين في منطقة البقاع، لتعزيز الاقتصاد المحلّي. يعتمد أبو جودة على أفضل التقنيّات الحديثة، لانتاج الزيت البكر (Virgin) الذي حصد من الجوائز العالميّة 44 ذهبيّة، واحدة بلاتينيوم و4 فضيّة.

– الكابتن حبيب كرم صاحب مشروع نبيذ كرم (Karam Wines) في بلدة القطّين – منطقة جزين، الذي حلّق كطيّار في الميدل إيست، ولمع كمنتِج لأجود أنواع النبيذ، في لبنان والعالم. وبفضل الإدارة الحكيمة واحترام المواصفات الدقيقة للزراعة (نوعيّة التربة، المناخ الجبلي، …)، والتصنيع (التقنيّات الحديثة)، حصد “نبيذ كرم” بمجموعته المتنوّعة حتى اليوم، أكثر من 55 جائزة عالميّة ونال تصنيفات رفيعة.

الخلاصة، قد تفرض الظروف القاهرة على بعض الشعوب الانتقالَ الى مناطق بعيدة، لكنّ التكنولوجيا الحديثة والاقتصاد التضامني، قد يجعلان النزوح المعاكس، حقيقةً ملموسة. تتطلب هذه الخطوة تطبيقَ فكرة رائدة، قابلة للتنفيذ عبر تأسيس منصّات رقميّة قرويّة تضامنيّة (Village-Hubs)، تُدار بالتعاون بين المرجعيّات المسؤولة، والاغتراب، والطاقات المحليّة.

تُختصر المسارات التطبيقيّة العملانيّة بثلاثة :

– العمل عن بُعد من قلب القرية، وهو ما بات عمليًّا قابلًا للتحقيق

– الاستثمار الاغترابي المصغّر، ممّا يخدم المستثمِر، ولا يرهِق المغترب

– التسويق الرقميّ المباشر، أي من المنتج إلى المستهلك، خدمةً للمنافسة

في عصرنا الرقميّ، لم يعد الريف تلك البقعة المعزولة، كما لم يعد أسير أنماط الحياة التقليديّة، بل هو ريف ذكي، منتِج، وموصول بالعالم. فلنعُد الى حماية ما تبقّى من حارات القرميد والمدرّجات الزراعيّة، لأنّها خط الدفاع الأول عن أمننا الغذائي وهويّتنا الاقتصاديّة المقبلة.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك