اجتماع مجتبى خامنئي ورئيس السلطة القضائية يكشف هواجس النظام من عودة الاحتجاجات في إيران
خاص بوابة بيروت
تزامنًا مع اقتراب ذكرى انتفاضة تشرين الثاني 2019، التي شكّلت واحدة من أبرز محطات المواجهة بين الشارع الإيراني والسلطات، تتجه الأنظار إلى الرسائل السياسية والأمنية التي تحملها تحركات القيادة القضائية في النظام. وفي هذا السياق، يكتسب اللقاء الذي جمع مجتبى خامنئي برئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي أهمية تتجاوز العناوين الرسمية المتعلقة بإصلاح القضاء ومكافحة الفساد، ولا سيما أن البيان الصادر عنه جمع بين الدعوة إلى استعادة ما وصفه بـ«الرصيد الاجتماعي للنظام» والتشديد على سرعة تنفيذ الأحكام وتحقيق الردع.
وفي قراءة لهذه الدلالات، رأى موسى أفشار، عضو لجنة الشؤون الخارجية في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، أن توقيت اللقاء ومضمونه يعكسان، وفق تقديره، تصاعد القلق داخل مؤسسات الحكم من اتساع الفجوة بين النظام والمجتمع، واحتمال تجدد الاحتجاجات على خلفية الأزمات المعيشية والسياسية المتراكمة.
وقال أفشار، في تصريح خاص لـ«بوابة بيروت»، إن اللافت في البيان الرسمي هو البدء بالحديث عن ضرورة «زيادة الرصيد الاجتماعي للنظام»، من خلال توسيع العدالة وحماية الحقوق العامة ومكافحة الفساد، قبل الانتقال مباشرة إلى الدعوة إلى «البت السريع والدقيق والحازم في القضايا» و«التنفيذ في الوقت المناسب وبما يحقق الردع للأحكام القضائية».
واعتبر أن الجمع بين استعادة الرصيد الاجتماعي والتشديد على سرعة الحسم القضائي والردع يعكس إدراكًا لأزمة الثقة بين المجتمع والسلطة، ومحاولة لمعالجة هذه الأزمة عبر الأدوات القضائية والأمنية، إلى جانب الشعارات المتعلقة بالعدالة.
أزمة الثقة واتساع الاحتجاجات
وأشار أفشار إلى أن استخدام تعبير «الرصيد الاجتماعي» يحمل دلالة خاصة في الظروف الراهنة، في ظل استمرار الأزمات المعيشية واتساع الاحتجاجات الاجتماعية وتصاعد تنفيذ أحكام الإعدام.
ولفت إلى أن منظمة العفو الدولية وثقت خلال عام 2026 تصاعدًا في استخدام عقوبة الإعدام بحق محتجين ومعارضين، مشيرًا إلى تقرير نشرته المنظمة في أيار، تحدث عن إعدام عشرات الأشخاص تعسفيًا بعد إدانتهم بتهم ذات دوافع سياسية، فيما كان عشرات آخرون يواجهون خطر تنفيذ أحكام الإعدام بحقهم.
وأوضح أفشار أن الدعوة إلى «الردع» لا يمكن فصلها عن واقع الجهاز القضائي، لكنه شدد على أن البيان الرسمي لم يتضمن أمرًا صريحًا جديدًا بتنفيذ أحكام الإعدام.
وقال إن «الاستنتاج السياسي هنا يأتي من التوقيت والسياق، فحين تتصاعد الإعدامات أصلًا، تصبح الدعوة إلى التنفيذ السريع والرادع للأحكام رسالة أمنية ذات وزن أكبر بكثير من معناها الإداري المجرد».
انتفاضة 2019 حاضرة في حسابات السلطة
وتوقف أفشار عند ذكرى انتفاضة تشرين الثاني 2019، التي اندلعت في 15 تشرين الثاني إثر رفع أسعار الوقود، قبل أن تتحول إلى احتجاجات واسعة امتدت إلى مناطق عديدة في البلاد.
وأشار إلى أن منظمة العفو الدولية وثقت مقتل ما لا يقل عن 323 رجلًا وامرأة وطفلًا خلال خمسة أيام، إلى جانب قطع السلطات خدمة الإنترنت على نطاق واسع، كما وثقت لاحقًا اعتقال أكثر من سبعة آلاف شخص، وما رافق ذلك من تعذيب وانتهاكات جسيمة.
وقال أفشار إن «الذاكرة السياسية لانتفاضة تشرين الثاني ما زالت حاضرة داخل أجهزة الحكم»، معتبرًا أن ما يقلق النظام ليس إحياء ذكرى الانتفاضة بحد ذاته، بل احتمال التقاء الغضب المعيشي مع الرفض السياسي في لحظة واحدة، كما حدث عام 2019.
وأضاف أن تجربة تلك الانتفاضة لا تزال حاضرة في حسابات السلطة، خصوصًا أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي ساهمت في اندلاعها لم تُعالج بصورة تنهي أسباب الاحتقان الشعبي.
التكنولوجيا والرقابة على المجتمع
وفي ما يتعلق بإشارة البيان الرسمي إلى «الاستفادة القصوى من التقنيات الحديثة» في القضايا القضائية والرقابية، رأى أفشار أن هذه العبارة تستحق التوقف، لكنه حذر من المبالغة في تفسيرها باعتبارها إعلانًا عن قرار محدد بتوسيع أنظمة التعرف على الوجوه أو التنصت على المحتجين.
وأوضح أن القراءة الأدق تتمثل في أن السلطة تدفع باتجاه مزيد من الرقمنة والرقابة المؤسسية، وهو توجه يمكن أن تكون له أبعاد أمنية أيضًا، في ظل استخدام التكنولوجيا على نطاق واسع لمراقبة الفضاء العام.
وبحسب أفشار، فإن توظيف التقنيات الحديثة في المؤسسات القضائية والرقابية لا ينفصل عن طبيعة العلاقة القائمة بين السلطة والمجتمع، ولا سيما عندما تصبح مراقبة النشاط العام جزءًا من أدوات إدارة الاحتجاجات والحد من توسعها.
العدو الخارجي لتغطية الأزمات الداخلية
كما لفت أفشار إلى أن البيان الرسمي اختتم بالدعوة إلى متابعة ما وصفه بـ«الجرائم الأمريكية الصهيونية» والمطالبة بتعويضات عنها.
وقال إن الاستناد المستمر إلى العدو الخارجي يشكل جزءًا ثابتًا من خطاب النظام، لكنه يبرز بصورة أكبر عندما تتصاعد الأزمات الداخلية، إذ يسمح بربط الاحتجاجات والمشكلات الاجتماعية والاقتصادية بأجواء المواجهة الخارجية.
وأضاف أن النظام يحاول، منذ سنوات، تحويل الأزمات الداخلية إلى مسائل مرتبطة بالأمن القومي، بحيث يُقدَّم الاحتجاج الاقتصادي باعتباره تهديدًا أمنيًا، والنشاط السياسي باعتباره ارتباطًا بالخارج، والاعتراض على الإعدامات باعتباره جزءًا من مؤامرة أوسع.
واعتبر أن هذا النمط من الخطاب يجب أن يُقرأ في ضوء الاجتماع الأخير، الذي جمع بين الحديث عن استعادة الثقة الاجتماعية والتشديد على الردع القضائي، بالتوازي مع إعادة تأكيد خطاب المواجهة الخارجية.
الردع لا يعالج أسباب الغضب
وأكد أفشار أن الاجتماع لا يشكل بحد ذاته دليلًا على قرب اندلاع انتفاضة جديدة، ولا يعني أن السلطة فقدت السيطرة، لكنه اعتبره مؤشرًا إلى أن القلق من المجتمع بات حاضرًا بصورة واضحة في جدول أعمال أعلى مستويات الحكم.
وختم بالقول إن «السلطة لو كانت واثقة من استقرارها الاجتماعي، لما احتاجت، في اجتماع على هذا المستوى، إلى الجمع بين الحديث عن استعادة الرصيد الاجتماعي والتشديد على الردع القضائي».
وأضاف أن المشكلة التي يواجهها النظام، بحسب تعبيره، «ليست نقص الشعارات، بل اتساع الفجوة مع المجتمع»، معتبرًا أن القضاء والأدوات القمعية قد يؤخران انفجار الغضب، لكنهما لا يعالجان الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تنتجه.