الثورة : لحظة انكشاف التراكم… لا صدمة الحدث

بقلم واصف الحركة

بين “الستة سنت” وزيادة البنزين، وردًا على اتهام البعض لثورة 17 تشرين بأنها قرار مبيت وليست حركة طبيعية للناس.

ان المسألة لا تتعلّق بحجم الزيادة ولا بكلفة رقمية محدّدة تُفرض على الناس، بل بالظروف التي تُفرض فيها، وبشبكة معقّدة من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي تجعل من أي تفصيل شرارة محتملة. ما يحرّك المجتمعات ليس الرقم، بل ما يرمز إليه الرقم في لحظة تاريخية معيّنة.

في الفهم “الفلسفي – الاجتماعي” للتاريخ، لا تنفجر المجتمعات بسبب حادثٍ واحد، بل عندما تبلغ التناقضات حدًّا يصبح معه الاستمرار على النحو القائم مستحيلًا. الحدث لا يصنع الثورة، بل يكشف هشاشة البنية التي كانت قائمة أصلًا. هو الفتيل، لا المادة المتفجّرة.

ما جرى في 17 تشرين كان تعبيرًا عن لحظة انكشاف جماعي: لحظة أدرك فيها عدد واسع من الناس، في آنٍ واحد، أن العقد غير المكتوب بين الدولة والمجتمع قد انهار، وأن النظام لم يعد قادرًا لا على الحماية ولا على توفير الحدّ الأدنى من المعنى. هذا الإدراك المشترك هو جوهر أي فعل ثوري، وهو ما يحوّل التذمّر الفردي إلى وعي جماعي.

من منظور علم النفس الاجتماعي، لا يتحرّك الأفراد جماعيًا بسبب الخسارة وحدها، بل بسبب الإحساس المتراكم بالظلم، وبفقدان السيطرة والكرامة. الغضب لا يولد من الألم بحدّ ذاته، بل من الإحساس بأن الألم أصبح دائمًا، بلا أفق، وبلا تفسير أخلاقي مقنع. عند هذه النقطة، يتحوّل الصبر من فضيلة إلى عبء نفسي، ويتحوّل التكيّف إلى شكل من أشكال العنف الذاتي.

الحدث الذي سبق الانفجار أدّى دور المحفّز الرمزي: لحظة اختزال فجّة لكل ما كان مكبوتًا. لا لأن الحدث كبير في ذاته، بل لأنه وقع فوق بنية مشبعة بالإذلال، واللاعدالة، والتفاوت، وانسداد المستقبل. في علم النفس الاجتماعي، هنا يحدث الانتقال الحاسم من الإحباط الصامت إلى الفعل الجماعي، حين يكتشف الفرد أن معاناته ليست فردية بل مشتركة.

والدليل الأوضح على أن المسألة ليست مسألة حدثٍ أو كلفةٍ مالية، بل مسألة تراكم، هو المسار نفسه. في عام 2011 قيل إن التحرّكات انتهت. فجاء عام 2015 فيما سُمّي «ثورة النفايات». ثم قيل مجددًا إن الصراع خمد وإن الحركة ماتت، فجاءت 17 تشرين. هذا التسلسل ليس تكرارًا عبثيًا، بل تعبيرًا عن منطق اجتماعي واحد: التراكم، حين لا يُعالَج، يعود بأشكال مختلفة.

الصمت الذي يلي كل موجة لا يعني نهاية الحراك، بل غالبًا ما يكون مرحلة إعادة تشكّل: إعادة ترتيب للوعي، وتبدّل في الأدوات، ونقل للتجربة من الشارع إلى الذاكرة الجمعية.

في التحليل الاجتماعي، الحركات لا تموت، بل تتحوّل، وتخزّن أسبابها إلى أن تعود في لحظة انكشاف جديدة.

محاكمة تلك اللحظات بمنطق النتائج السريعة، أو ربطها بواقع مختلف جذريًا اليوم “بعد الهجرة الجماعية، وجائحة كورونا، وتفجير المرفأ، والانهيار المالي، وحروب الاستنزاف العدوانية المتواصلة” هو إسقاط زمني مغلوط، يتجاهل أن التحولات الاجتماعية لا تسير بخط مستقيم، بل عبر موجات، وانكسارات، وإعادة تشكّل للوعي.

الأخطر في الخطاب الذي يسخر من تلك اللحظات أنه لا يخطئ في التحليل فحسب، بل يكشف خوفًا عميقًا من الاعتراف بالحقيقة التالية، أن ما انفجر لم يكن حدثًا عابرًا، بل بنية كاملة من المعنى، وأن ما تزعزع لم يكن الشارع فقط، بل شرعية النظام في الوعي الجمعي.

الثورات لا تفشل لأن الناس عادوا إلى بيوتهم، ولا تنتصر لأن الساحات امتلأت. معيارها الحقيقي هو ما تكسره في الخوف، وما تغيّره في نظرة الناس إلى أنفسهم وإلى السلطة. وما كُسر في تلك اللحظات لم يُرمَّم بعد، مهما طال الصمت.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com