أخيرًا على السكة : #لبنان يعود إلى الخريطة اللوجستية للشرق الأوسط

دبلوماسية الرئيس نواف سلام الهادئة تحرّك مصفاة طرابلس والربط السككي مع سوريا ومطار القليعات في مشروع اقتصادي متكامل

دبلوماسية الرئيس #نواف_سلام الهادئة تحرّك مصفاة #طرابلس

بقلم كوثر شيا – خاص بوابة بيروت

@kchaya

في وقت لا يزال فيه اللبنانيون يبحثون عن مؤشرات حقيقية للخروج من دوامة الأزمات الاقتصادية والمالية، بدأت تتشكل بهدوء ملامح مشروع وطني قد يعيد رسم موقع لبنان الاقتصادي في المنطقة خلال السنوات المقبلة.

فزيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى دمشق لم تقتصر على البعد السياسي أو الدبلوماسي، بل فتحت الباب أمام حزمة من المشاريع الاستراتيجية المرتبطة بالطاقة والنقل والتجارة واللوجستيات، وفي مقدمتها إعادة تأهيل مصفاة طرابلس، وإحياء شبكة السكك الحديدية اللبنانية، وإعادة الربط مع سوريا، وتطوير مطار القليعات كمركز متكامل للشحن والخدمات اللوجستية.

وبينما اعتاد اللبنانيون خلال العقود الماضية على سماع الوعود الكبرى التي غالبًا ما بقيت حبرًا على ورق، تشير المعطيات الحالية إلى أن العمل التقني والهندسي والإداري بدأ فعليًا على أكثر من مستوى، ما يمنح هذه المبادرات زخمًا مختلفًا عن المشاريع السابقة.

رؤية متكاملة لا مشاريع متفرقة

بحسب مصادر متابعة للملف، فإن المقاربة الجديدة لا تنظر إلى كل مشروع على حدة، بل تتعامل مع شمال لبنان كمنظومة اقتصادية متكاملة تربط بين الطاقة والنقل البحري والجوي والسككي والتبادل التجاري مع المشرق العربي.

فالهدف لا يقتصر على إعادة تشغيل منشآت متوقفة أو ترميم بنى تحتية قديمة، بل يتعداه إلى بناء شبكة اقتصادية حديثة تسمح للبنان باستعادة دوره التاريخي كجسر يربط شرق المتوسط بالأسواق العربية.

ويرى متابعون للشأن الاقتصادي أن نجاح هذه الخطة قد يشكل أحد أكبر التحولات التنموية التي يشهدها لبنان منذ عقود، خصوصًا في ظل الحاجة الملحة إلى مشاريع إنتاجية قادرة على خلق فرص عمل وتحفيز النمو واستقطاب الاستثمارات.

1- مصفاة طرابلس: القلب الطاقوي للمشروع

تشكل مصفاة طرابلس إحدى الركائز الأساسية في هذه الرؤية.

فالمنشأة التي بقيت لعقود طويلة خارج الخدمة الفعلية، تعود اليوم إلى واجهة النقاش الاقتصادي باعتبارها مركزًا محتملًا لتكرير النفط وتخزين المشتقات النفطية وخدمة حركة التجارة والطاقة في المنطقة.

وتشير المعلومات المتداولة إلى أن الدراسات الأولية تناولت إمكانية إعادة تشغيل وحدات التكرير الحالية على مراحل، مع تحديث البنية التقنية للمصفاة بما يسمح بزيادة قدرتها التشغيلية تدريجيًا خلال السنوات المقبلة.

كما يُبحث في إعادة تفعيل شبكات الربط النفطية التاريخية بين سوريا وطرابلس، بما يعزز موقع المدينة كمركز استراتيجي للطاقة في شرق المتوسط.

وتتجاوز أهمية المصفاة البعد النفطي المباشر، إذ يُنظر إليها كعنصر أساسي في دعم المناطق الصناعية المستقبلية، وتأمين احتياجات قطاع النقل، وتوفير الوقود اللازم للنشاط اللوجستي المتوقع في الشمال.

2- السكة الحديدية: مشروع يعود من التاريخ إلى المستقبل

ربما يكون ملف السكك الحديدية هو الأكثر رمزية بين جميع المشاريع المطروحة.

فبعد أكثر من أربعة عقود على توقف القطارات في لبنان، بدأت أعمال المسح الميداني وإزالة التعديات عن أجزاء من المسار التاريخي للسكة الحديدية الساحلية.

وعلى امتداد الخط الذي كان يربط شمال لبنان بجنوبه، تعمل الفرق المختصة على استعادة الأملاك العامة التي تعرضت خلال سنوات الحرب وما بعدها لاعتداءات وإنشاءات عشوائية حالت دون أي محاولة جدية لإعادة تشغيل الشبكة.

ويرى مهندسون وخبراء نقل أن إزالة التعديات تمثل الخطوة الأهم في المشروع، لأن استعادة المسار القانوني للسكة هي الأساس الذي تُبنى عليه أي عملية تطوير لاحقة.

وتشمل المرحلة الأولى من المشروع خطًا داخليًا يربط جونية بمحطة بيروت المركزية في مار مخايل وصولًا إلى خلدة جنوب العاصمة، ما يتيح تخفيف الضغط عن الطرقات الساحلية وتقليص زمن التنقل اليومي لعشرات آلاف المواطنين.

كما تجري مناقشة عروض وتقنيات حديثة تسمح بتشغيل قطارات متطورة وآمنة وصديقة للبيئة تتناسب مع متطلبات النقل الحضري الحديث.

3- الربط مع سوريا: بوابة لبنان نحو الخليج

الشق الأهم في المشروع يتمثل في إعادة الربط السككي مع سوريا.

فهذا الربط لا يهدف فقط إلى نقل الركاب، بل يشكل ممر شحن استراتيجيًا يسمح للبضائع اللبنانية بالوصول إلى الأسواق العربية بكلفة أقل ووقت أسرع.

وعند اكتمال الشبكة، ستتمكن البضائع القادمة من مرفأ طرابلس أو من المناطق الصناعية اللبنانية من الانتقال عبر الأراضي السورية باتجاه الأردن، ومنه إلى دول الخليج العربي.

ويعتبر خبراء النقل أن هذا التطور قد يفتح صفحة جديدة أمام الصادرات الزراعية والصناعية اللبنانية التي عانت لسنوات من ارتفاع كلفة الشحن وصعوبة الوصول إلى الأسواق الإقليمية.

4- مطار القليعات: الحلقة الثالثة في منظومة الشمال

إلى جانب المصفاة والسكة الحديدية، يبرز مطار القليعات “مطار الرئيس رينيه معوض” كأحد أهم عناصر المشروع المتكامل.

فالخطط المطروحة تتعامل مع المطار باعتباره منصة للشحن الجوي والطيران الاقتصادي، قادرة على استقطاب جزء من الحركة التجارية والسياحية التي يصعب على مطار بيروت استيعابها مستقبلًا.

وترى الأوساط الاقتصادية أن الموقع الجغرافي للمطار يمنحه أفضلية استراتيجية، خصوصًا إذا جرى ربطه مستقبلًا بشبكة السكك الحديدية وبمرفأ طرابلس وبالمناطق الصناعية المقترحة في الشمال.

ومن شأن هذا التكامل أن يحول عكار والشمال اللبناني إلى مركز اقتصادي ناشئ قادر على جذب استثمارات جديدة وخلق فرص عمل واسعة للشباب.

فرص عمل وتحفيز للنمو الاقتصادي

لا تقتصر أهمية هذه المشاريع على البنية التحتية وحدها.

فبحسب خبراء الاقتصاد والتنمية، يمكن لمشاريع الطاقة والنقل واللوجستيات أن تخلق آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة خلال مراحل البناء والتشغيل والصيانة.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية التنسيق بين الوزارات المعنية، بما فيها وزارة العمل، لضمان استفادة اليد العاملة اللبنانية من فرص العمل الجديدة التي قد تنتج عن هذه المشاريع.

كما يؤكد متابعون للشأن التنموي، ومن بينهم الباحث زياد شيا، أن نجاح هذه المبادرات يتطلب رؤية وطنية طويلة الأمد تتجاوز الاعتبارات السياسية الضيقة، وتربط بين الاستثمار في البنية التحتية والنمو الاقتصادي المستدام.

المشاريع الأربعة التي قد تغيّر وجه الاقتصاد اللبناني:

1. إعادة تأهيل وتطوير مصفاة طرابلس.
2. استعادة وتشغيل السكة الحديدية الساحلية اللبنانية.
3. إعادة الربط السككي والتجاري مع سوريا والأسواق العربية.
4. تطوير مطار القليعات كمركز للشحن والخدمات اللوجستية.

خطوة أولى على طريق طويل

لا تزال التحديات كبيرة، من التمويل إلى الإدارة والإصلاحات المطلوبة، مرورًا بالظروف الإقليمية المتقلبة. إلا أن ما يميز المرحلة الحالية هو انتقال النقاش من مستوى الشعارات إلى مستوى الدراسات والخرائط والورش الميدانية.

وبالنسبة إلى بلد أنهكته الأزمات والفرص الضائعة، فإن رؤية المسّاحين والمهندسين يعملون مجددًا على خطوط السكك القديمة، ومتابعة خطط إعادة تشغيل منشآت استراتيجية ظلت مهملة لعقود، قد تشكل بداية مسار جديد طال انتظاره.

فالمسألة لم تعد تتعلق بقطار أو مصفاة أو مطار فحسب، بل بإعادة وصل لبنان باقتصاد المنطقة واستعادة دوره الطبيعي كمركز عبور وتبادل بين البحر المتوسط والمشرق العربي.

وربما للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، تبدو بعض مشاريع البنية التحتية الكبرى أقرب إلى التنفيذ من أي وقت مضى.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك