ماذا يريد ترامب من إيران؟

خاص بوابة بيروت

لم نعد نعرف من التائه. هل الرئيس الأميركي تائه أم أنّ العالم بأسره تائه؟ هذه المعادلة التي وضع نفسه فيها الرئيس ترامب مقابل العالم بأسره. قد لا تؤيّد هذا الشخص أو لا تحبّ سياساته الخارجيّة أو حتّى الدّاخليّة، لكن لا يمكنك إنكار أنّه شغل العالم بتناقضاته. حتّى بات بعضهم يشكّك حول طبيعة الادارة الأميركيّة، هل هي واحدة أم نحن نتعامل مع إدارتين مختلفتين منقسمتين بين وزير الخارجيّة ماركو روبيو ونائب الرّئيس جي دي فنس؟

نقلت بعض المصادر الصحافيّة تسريبات إعلاميّ’ مفادها أنّ الضربات التي كانت مقرّرة تمّ تجميدها وفتح نافذة تفاوض جديدة. وذهبت المصادر نفسها أبعد بكثير إذ أعلنت بأنّ الجانب الإيراني وافق على الشروط الأميركيّة بالكامل. فيما التسريبات الإيرانيّة قد أشارت إلى أنّ احتمال موافقة إيران على الشروط الأميركيّة مرتفع.

التناقض الأميركي يؤكّد مرّة جديدة أنّ الرئيس الأميركي يسير مع إيران في مسارين:

مسار التقيّة الديبلوماسيّة حيث يعلن شيئًا ويضمر شيئًا آخر، لا بل قد يكون نقيض ما يصرّح به تمامًا. وهذا ما يربك الإيرانيين وهم الذين عرفوا بالتقيّة الديبلوماسيّة.

مسار العصا والجزرة إذ يترك ترامب باب التفاوض مفتوحًا، ولكن التّهديد العسكري مستمرّ بوابل من الغارات الحربيّة والتي تستهدف مراكز حسّاسة للمرّة الأولى.

يتوقّف هذان المساران عند عتبة العقوبات والأصول المجمّدة والأذرع المتغلغلة في الإقليم. وما قضّ مضاجع النّظام الإيراني هو شروع الدّول العربيّة بمطالبة الولايات المتّحدة الأميركيّة بتعويضات من جرّاء الاستهدافات الإيرانيّة لأراضيها من الأصول الإيرانيّة المجمّدة.

على أمل أن يجرؤ بعض الذين مَن هم في مواقع القرار في لبنان على حذوِ حذوَ هذه الدّول ويعدّوا ملفًّا موثّقًا بالأضرار النّاجمة عن التدخّل الإيراني لينتزعوا من هذه الأصول ما هو حقّ للشعب اللبناني نتيجة لما سبّبته إيران وحليفها في لبنان.

أمام هذين المسارين نستطيع الاستشراف بأنّ ما يحدث بين إيران والولايات المتّحدة لا يعدو عن كونه محاولات حثيثة من قبل طرفي الصراع لتحسين شروط التّفاوض قبل التوصّل إلى مسوّدة نهائيّة للاتّفاق المرتقب. فواشنطن لا زالت توازن بين الواقع المزري الذي باتت فيه المنطقة، وعدم الانزلاق مع الانتحاريّين إلى حرب قد تؤدّي بها إلى خسارة المومنتوم التغييري الذي صنعته من دون الدخول في حرب طويلة الأمد؛ ولا سيّما مع ازدياد الضغوطات الدّاخليّة على الرئيس ترامب مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة وارتفاع المخاوف من انعكاسات الحرب على أسعار الطاقة والاقتصاد الأميركي.

كما أشارت بعض المصادر الأميركيّة إلى أنّ الاتفاق المرتقب يتضمّن إعلان إيران عدم سعيها لامتلاك سلاح نووي مطلقًا، وتسليم اليورانيوم، والقبول بالتفتيش، وفتح “هرمز” فورًا، مقابل جزء من الأموال المجمدة.

فيما لم يتمّ ملاحظة أيّ مؤشّر على أنّ الاتفاق النهائي سيتناول الأذرع وبرنامج الصواريخ. وهذه المعلومة وحدها كفيلة بدحض هذه المزاعم كلّها إذ لا يمكن لإسرائيل أن تقبل بأيّ اتّفاق يترك على خاصرتها الرّخوة شمالًا تنظيمًا مسلّحًا وصواريخ قادرة أن تهدّد أمنها في أيّ لحظة.

أمام هذه المتغيّرات، تبقى الساحة اللبنانيّة مشتعلة على إيقاع رسمه الأميركي للإسرائيلي الذي لا يبدو أنّه سيبقى عاقلًأ أو حتّى متعقّلًا. قد يسحب صاعق أيّ اتّفاق من الساحة اللبنانيّة ليفجّره من الدّاخل إذا كان هذا الاتّفاق لا يؤمّن له الأهداف التي انخرط أساسًا في هذه الحرب لتأمينها. فالمنطقة برمّتها لا تقف اليوم فقط أمام خيار الحرب أو السلام بصورة حاسمة، بل قد نكون أمام مرحلة انتقالية جديدة يتعايش فيها المساران معًا.

وهذا ما سيؤدّي إلى إطالة أمد هذه الحرب تمهيدًا لسياسة الانهاك الدّاخلي التي نتجت عن الحصار الذي يعتمده الأميركي، توصّلًا إلى انهيار من الدّاخل فيكون أقلّ كلفة على أطراف الصراع كلّه.
لا يبدو أنّ هذه التّصريحات هي ناتجة عن ارباك في القرار الأميركي اكثر من كونها استراتيجيّة لرفع سقوف التّهديدات تمهيدًا لإعلان صفقة على قاعدة الـwin win situation.

لكن هل يقبل الاسرائيلي بعد كلّ ما حدث بأن تبقى لإيران أيّ فرصة لإعلان نصر إلهي جديد؛ ولا سيّما أنّه اختبر فلسفة النّصر الإلهي وكيف تمّ تسييله في الحياة السياسيّة في لبنان بعد حرب الـ2006؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك