“من النهر إلى البحر” صراع إسرائيلي – فارسي يدمّر المنطقة!

بقلم محمد عبدالله

لم يعد شعار “من النهر إلى البحر” مجرد عبارةٍ سياسيةٍ مرتبطةٍ بالصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، بل أصبح رمزاً لمشاريعٍ متقابلةٍ تتصارع على النفوذ في الشرق الأوسط. وبين المشروع الإسرائيلي من جهة، والمشروع الإيراني من جهة أخرى، وجدت دول المنطقة نفسها خلال العقود الماضية ساحة صراعٍ مفتوح، دفعت شعوبها جرائه ثمناً باهظاً في الاستقرار والاقتصاد والأمن.

فلسطينياً، يشير شعار “من النهر إلى البحر” إلى المنطقة الممتدة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط، أي الأراضي التاريخية كاملةً لفلسطين. وقد استُخدم هذا الشعار في سياق المطالبة بالتحرر الوطني وإقامة دولةٍ فلسطينيةٍ على كل أرض فلسطين الانتدابية. إلا أن الشعار ظل مثار جدلٍ سياسيٍ واسع، إذ يراه البعض تعبيراً عن الحقوق الفلسطينية، فيما يراه آخرون شعاراً إقصائياً يحمل دلالاتٍ تتجاوز حدود الصراع التقليدي.

في المقابل، برزت في الفكر السياسي الإسرائيلي أطروحاتٍ توسعيةٍ أيضاً. فقد استند بعض التيارات إلى تفسيرات توراتية تتحدث عن دولة تمتد “من النيل إلى الفرات”، بينما تبنّت تيارات أخرى فكرة “إسرائيل الكبرى” التي تشمل ضفتي نهر الأردن حتى البحر المتوسط. وعلى رغم أن هذه الأفكار ليست بالضرورة سياسةً رسميةً للدولة، فإنها بقيت حاضرةً في الخطاب الأيديولوجي لبعض التيارات السياسية والدينية.

وعلى الضفة الأخرى من المعادلة، ظهر المشروع الإيراني في المنطقة منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979. وقد سعت طهران، عبر شبكةٍ من الحلفاء والتنظيمات المسلحة، إلى إنشاء ممر نفوذ يمتد من إيران عبر العراق وسوريا وصولاً إلى لبنان على شاطئ البحر الأبيض المتوسط. هذا المشروع، الذي يُعرف أحياناً بـ”الممر البري الإيراني”، هدف إلى ترسيخ نفوذ طهران الإقليمي وتأمين حضورٍ سياسيٍّ وعسكريٍّ دائمٍ في قلب الشرق الأوسط.

بين هذين المشروعين، تحولت دول المنطقة “ولا سيما منها لبنان وسوريا وفلسطين” ساحاتٍ للصراع بالوكالة. فالحروب المتكررة والانقسامات السياسية والعقوبات والأزمات الاقتصادية، حولت هذه الدول إلى مناطق نزاعٍ دائم، وأدخلت شعوبها دوامة عدم الاستقرار.

ومع اندلاع حرب السابع من تشرين الأول “أكتوبر 2023” وما تبعها من حربٍ إسرائيليةٍ واسعة على غزة، بعد الهجمات التي اطلقها يحيى السنوار، وما عرف بعملية “طوفان الاقصى”، تصاعدت المواجهة الإقليمية بشكلٍ غير مسبوق. فقد اتسعت رقعة الصراع لتشمل جبهات متعددة، مع دخول أطرافٍ إقليميةٍ ودوليةٍ على خط المواجهة، وخصوصاً “حرب الاسناد” التي أطلقها “حزب الله”،ومعظم الأذرع الايرانية في المنطقة، مروراً بالعراق ووصولاً الى اليمن، الأمر الذي زاد من هشاشة الاستقرار في الشرق الأوسط.

لكن المفارقة التاريخية في مسيرة الحرب الحالية أنها وصلت إلى رأس المحور، بعد أن عمل النظام الإيراني خلال العقود المنصرمة، على دعم هذه الحروب بعيداً من ساحته وأرضه. لكن مع سقوط الأذرع الإيرانية، استطاعت إسرائيل ومن خلفها أميركا ضرب رأس المحور واغتيال المرشد الايراني علي خامنئي، في أولى الضربات التي افتتحت فيها هذه الحرب، وأدخلت منطقة الشرق الأوسط بما فيها تركيا وقبرص في هذه الأزمة المشتعلة بذريعة استهداف إيران للقواعد الأميركية في هذه الدول، من السعودية إلى قطر والإمارات والبحرين والكويت وأربيل وغيرها .

وفي ظل هذه التطورات، تبدو الحقيقة الأكثر قسوةً أن الشعوب هي التي تدفع ثمن صراع المشاريع الكبرى. فبين مشروعٍ إسرائيليٍّ يسعى إلى تثبيت تفوقه الإقليمي، ومشروعٍ إيرانيِّ يعمل على توسيع نفوذه عبر محورٍ إقليمي، تبقى المنطقة عالقةً في حلقةٍ مفرغةٍ من الحروب والتوترات.

إن الشرق الأوسط اليوم بحاجةٍ إلى مراجعةٍ عميقةٍ لسياسات الصراع المفتوح. فالمشاريع التي تُرفع تحت شعاراتٍ كبرى، مثل “من النهر إلى البحر” أو غيرها، أثبتت خلال العقود الماضية أنها لم تجلب الاستقرار، وإنما عمّقت الانقسامات وأطالت أمد الحروب.

ويبقى السؤال المطروح، هل تتوقف القوى المتصارعة عن تحويل المنطقة إلى ساحة تصفية حسابات، أم أن الشرق الأوسط سيبقى أسير مشاريع توسعية تدفع شعوبه ثمنها جيلاً بعد جيل؟

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com