‎هل يُباع لبنان في صفقة كبرى… أم يبقى أسير حزب أضاع الدولة؟

خاص بوابة بيروت

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، يعود لبنان ليُطرح مجددًا كورقة تفاوض لا كدولة مستقلة ذات سيادة. التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية الإيراني، والتي تحدث فيها عن اقتراب المفاوضات مع الولايات المتحدة من تحقيق تقدم ملموس، لم تكن عابرة، بل حملت في طياتها إشارة واضحة إلى أن “الملف اللبناني” حاضر على طاولة الشروط الإيرانية. هنا، يبرز السؤال الجوهري، هل أصبح لبنان بندًا في صفقة كبرى، أم أنه لا يزال أسير معادلة داخلية مختطفة؟

إدراج لبنان ضمن سياق التفاوض بين طهران وواشنطن يعكس بوضوح حجم النفوذ الإيراني في الداخل اللبناني، ويؤكد ما لطالما حذّر منه كثيرون، أن القرار السيادي لم يعد يُصنع بالكامل داخل المؤسسات الدستورية. صحيح أن هذا التصريح منح “حزب الله” جرعة قوة معنوية، بوصفه جزءًا من محور إقليمي يتفاوض من موقع الندّية، إلا أنه في المقابل شكّل صدمة فعلية لرئاسة الحكومة اللبنانية، التي وجدت نفسها خارج سياق تقرير مصير بلدها.

في موازاة ذلك، تتجه المنطقة نحو مزيد من التصعيد. فالتوتر بين إيران والمملكة العربية السعودية بلغ مستويات خطيرة، خصوصًا بعد استهداف ممرات حيوية داخل الأراضي السعودية، وما تبعه من تهديدات إيرانية تطال منشآت حيوية كمحطات تحلية المياه، التي تُعد شريان الحياة لدول الخليج. هذه التطورات لا يمكن فصلها عن الهجمات التي طالت قواعد أميركية في المنطقة، والتي ساهمت في تعميق الشرخ الإقليمي، بعد فترة كانت بعض الدول تحاول فيها النأي بنفسها عن الصراع.

في هذا السياق، يبدو لبنان مرة أخرى في قلب العاصفة. فبدل أن يكون في موقع الحياد الإيجابي، يجد نفسه متورطًا “أو مُورَّطًا” في صراع يتجاوز قدراته وإمكاناته. التحدي الإيراني العلني لقرارات الحكومة اللبنانية، والتصرف وكأن طهران هي الممثل الشرعي في التفاوض حول مصير لبنان، وضع الدولة اللبنانية أمام اختبار حقيقي.

فقرار طرد السفير الإيراني بعد ان تم اتخاذه الحديث عنه لا يمكن قراءته إلا كخطوة سيادية بامتياز. فهو يعكس، أولًا، رفضًا واضحًا لأي تدخل خارجي في الشؤون الداخلية، وثانيًا، محاولة للتموضع إلى جانب الدول العربية في مواجهة ما تعتبره “عدوانًا” إيرانيًا متصاعدًا. لكن السؤال يبقى، هل تملك الدولة اللبنانية القدرة الفعلية على ترجمة هذا القرار إلى واقع، أم أن موازين القوى الداخلية ستعيد الأمور إلى نقطة الصفر؟

إن جوهر الأزمة اللبنانية اليوم يتجاوز السياسة اليومية إلى مسألة سيادة وطنية. فلبنان، الذي دفع أثمانًا باهظة نتيجة صراعات الآخرين على أرضه، لم يعد يحتمل أن يكون ساحة لتصفية الحسابات. القرار السيادي لم يعد ترفًا، بل ضرورة وجودية في زمن تتشابك فيه الحروب وتُرسم فيه الخرائط على حساب الدول الضعيفة.

قد لا يكون لبنان قادرًا على تغيير موازين القوى الإقليمية، لكنه، على الأقل، يستطيع أن يعلن موقفًا واضحًا، أن يميز بين العدو والصديق، وأن يرفض أن يكون ورقة في يد أي طرف. الصراخ في وجه من أوصل البلاد إلى حافة الانهيار لم يعد خيارًا، بل واجب وطني.

في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا، هل يُباع لبنان على طاولة المفاوضات، أم يستعيد قراره بنفسه؟ الإجابة لن تأتي من الخارج، بل من قدرة اللبنانيين على فرض دولتهم، أو الاستمرار في العيش داخل دولة مُصادَرة.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com