احتكروا الله واحتقروا الإنسان

بقلم د. حبيب باشا – خاص بوابة بيروت

أسوأ ما يمكن أن تفعله أي جماعة، أيًّا كان اسمها أو مشروعها، هو أن تنصّب نفسها وصيّة على الله، وأن تتعامل مع الناس وكأنهم أدوات لا قيمة لهم. تلك هي اللحظة التي يتحول فيها الخطاب من إيمانٍ إلى استغلال، ومن عقيدةٍ إلى سلطة.

حين تحتكر جماعة الحديث باسم الله، فهي لا ترفع من شأن الدين، بل تُضيّقه وتحبسه داخل تفسير واحد يخدم نفوذها. الإيمان في جوهره علاقة حرة بين الإنسان وربّه، لا يُدار عبر وسطاء، ولا يُختزل في شعارات تُرفع لتبرير السيطرة أو إسكات المخالفين. وكل محاولة لاحتكار المقدّس ليست سوى محاولة لاحتكار الحقيقة، ومن ثم احتكار القرار.

وفي المقابل، يظهر الوجه الأخطر، احتقار الإنسان. حين تُقدَّم الأفكار على حساب البشر، وتُبرَّر الأخطاء باسم القضية، يصبح الإنسان تفصيلًا يمكن تجاوزه، أو خسارةً يمكن تبريرها. تُختزل كرامته، وتُهمَّش حياته، ويُطلب منه أن يطيع لا أن يفكّر، وأن ينصاع لا أن يسأل.

هذه المعادلة، تقديس الجماعة لنفسها، مقابل تهميش الإنسان لا تُنتج مجتمعًا، بل تُنتج بيئة مغلقة تُقصي المختلف وتخشى النقد. فكل من يعترض يُصنَّف خارج الصف، لا لأنه مخطئ بالضرورة، بل لأنه كسر احتكار الحقيقة الذي تدّعيه الجماعة.

المشكلة ليست في الإيمان، بل في توظيفه. ليست في العقيدة، بل في تحويلها إلى أداة نفوذ. فالدين الذي يُستخدم لإسكات الناس، ليس قوة أخلاقية، بل سلطة تُخشى. والإيمان الذي يُفرض بالقوة، يفقد معناه قبل أن يفقد تأثيره.

المجتمعات لا تُبنى بتقديس جماعة، بل باحترام الإنسان. لا تنهض حين يُقال للناس ماذا يفكرون، بل حين يُسمح لهم أن يفكروا. ولا تستقر حين يُحتكر الحق، بل حين يُفتح المجال للاختلاف ضمن إطار يحمي الجميع.

في النهاية، من يحتكر الله، يخسر الإنسان. ومن يستخف بالإنسان، يفرغ أي خطاب ديني من معناه. لأن القيمة الحقيقية لأي فكرة، ليست في الشعارات التي ترفعها، بل في الكرامة التي تحفظها للناس.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com