المنظمات الهجينة والمجتمع الرهينة : حين تتحول “المقاومة” إلى مقاول حرب
بقلم البعلبكي – خاص بوابة بيروت
في مسار التحولات السياسية والعسكرية في العالم المعاصر، برزت ظاهرة يمكن توصيفها بـ“المنظمات الهجينة”، وهي كيانات تنشأ في الأصل من داخل المجتمع، وتحمل في بداياتها خطابًا يعكس همومه وتطلعاته، لكنها مع مرور الزمن تتطور إلى فاعلين مستقلين يتجاوزون المجتمع نفسه، بل وقد يحولونه إلى أداة في خدمة مشاريعها. هذه التحولات لا تحدث فجأة، بل تتراكم عبر مراحل، تبدأ بالتمثيل وتنتهي بالهيمنة.
المنظمة الهجينة، في جوهرها، هي كيان يجمع بين صفات الدولة واللادولة، تمتلك سلاحًا، خطابًا سياسيًا، شبكة خدمات، وأحيانًا شرعية اجتماعية، لكنها في الوقت نفسه لا تخضع لمنظومة الدولة أو للمساءلة المؤسسية. هذا الوضع الوسيط يمنحها مرونة عالية، لكنه يفتح الباب أيضًا أمام انزلاقات خطيرة، خاصة عندما تبدأ أولوياتها بالابتعاد عن المصلحة العامة.
في المراحل الأولى، تنشأ هذه الحركات غالبًا كرد فعل على فراغ سياسي أو أمني، أو لمواجهة تهديد خارجي، فتجد حاضنة شعبية تمنحها الشرعية والدعم. لكن مع مرور الوقت، ومع تراكم القوة العسكرية والمالية، تبدأ هذه الحركات بإعادة تعريف علاقتها مع المجتمع: من ممثل له إلى وصي عليه، ومن مدافع عنه إلى متحكم بمصيره.
هنا يبدأ التحول الأخطر. حين يصبح المجتمع نفسه أداة ضمن استراتيجية هذه الحركات. يُعاد تعريفه بمصطلحات مثل “البيئة الحاضنة”، فيتحول من كيان حيّ له إرادته إلى مجرد عمق استراتيجي، أو ما يشبه “المتراس” الذي تختبئ خلفه المنظمة. في هذا السياق، لا يعود المجتمع شريكًا في القرار، بل متلقيًا لنتائج سياسات لم يشارك في صياغتها.
وتزداد الإشكالية تعقيدًا عندما تدخل هذه الحركات في شبكات إقليمية أو دولية، فتتحول تدريجيًا إلى ما يمكن وصفه بـ“مقاول حرب”. أي أنها لم تعد تقاتل فقط بدافع محلي أو وطني، بل أصبحت جزءًا من صراعات أوسع، تُدار وفق أجندات خارجية أو مصالح عابرة للحدود. في هذه الحالة، يُستدعى المجتمع لدفع كلفة صراعات لا يملك قرارها، سواء عبر الدمار المباشر، أو العقوبات، أو الانهيار الاقتصادي والاجتماعي.
هذا النمط من التحول يخلق فجوة عميقة بين الخطاب والممارسة. فبينما تستمر هذه الحركات في استخدام مفردات مثل “المقاومة” و“الحماية” و“الدفاع”، يكون الواقع الفعلي هو تحميل المجتمع أعباء متزايدة، دون تمكينه من مساءلة أو محاسبة. وهنا تتحول الشرعية من كونها تعبيرًا عن إرادة الناس إلى أداة لتبرير الاستمرار في السلطة.
إن أخطر ما في المنظمات الهجينة ليس فقط قوتها، بل غموضها أيضًا. فهي ليست دولة يمكن محاسبتها عبر المؤسسات، وليست مجرد جماعة يمكن تجاوزها بسهولة. هذا الوضع الرمادي يجعل تفكيكها أو إعادة دمجها في إطار الدولة أمرًا بالغ التعقيد، ويتطلب مقاربة شاملة تأخذ بعين الاعتبار البعد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.
في المقابل، لا يمكن اختزال الظاهرة في بعد واحد أو إصدار أحكام مطلقة عليها. فبعض هذه الحركات نشأ بالفعل استجابة لظروف قاهرة، وقدم أدوارًا اعتبرها جزء من المجتمع ضرورية في مراحل معينة. لكن التحدي الحقيقي يكمن في قدرتها على التحول من منطق “الحركة” إلى منطق “المؤسسة”، ومن العمل خارج الدولة إلى العمل ضمنها، ومن احتكار القرار إلى قبوله بالتعددية والمساءلة.
الخلاصة، أن العلاقة بين المنظمات الهجينة والمجتمع هي علاقة ديناميكية، لكنها محفوفة بالمخاطر. فعندما تختل هذه العلاقة، ويتحول المجتمع من مصدر شرعية إلى درع بشري أو غطاء سياسي، ندخل في مرحلة يصبح فيها الكيان الذي نشأ لحمايته سببًا في إنهاكه. وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف دور هذه الحركات، ليس فقط من منظور أمني، بل من منظور سياسي وأخلاقي يضع مصلحة المجتمع فوق أي اعتبار آخر.