لبنان تحت ظلال هدنةٍ لا تشبه السلام

خاص بوابة بيروت

بعد يومٍ دامٍ قضّ مضاجع اللبنانيين، ولا سيّما في بيروت، لم يكد غبار الغارات ينقشع حتى عادت الأسئلة القديمة الجديدة: أيّ وقفٍ لإطلاق النار هذا الذي يُقال إنّه رُسم على طاولة التفاوض بين واشنطن وطهران، فيما تبقى الساحة اللبنانية خارج نصّه، أو على هامشه، أو في منطقة الالتباس التي لطالما دفعت أثمانها وحدها؟

تضاربت التفسيرات حول ما إذا كان لبنان مشمولًا بالتفاهم أم مستثنًى منه، فيما بدا لافتًا كلام نائب الرئيس الأميركي الذي وضع مصير المفاوضات في يد الإيرانيين إذا ما أصرّوا على ربطها بلبنان. ثم جاء تصريح الرئيس دونالد ترامب ليزيد المشهد التباسًا حين اعتبر ما يجري في لبنان «مناوشة منفصلة»، في وقت تحدّثت تقارير إسرائيلية عن ضوء أخضر لمواصلة القتال. هكذا، وجد اللبنانيون أنفسهم مجددًا في الفراغ بين سطرين: سطر التفاوض وسطر النار.

لم يكن وقع الغارات الأخيرة عاديًا. أكثر من مئة غارة في دقائق معدودة طاولت بيروت وصيدا والبقاع، في مشهد أعاد إلى الأذهان قسوة الحروب حين تسقط السماء بلا إنذار. تغيّرت قواعد الاشتباك، ولم تعد الضربات تسبقها إشارات تحذير، بل أتت على بنى تحتية ومراكز قيادة مرتبطة بـ«حزب الله»، بينها مواقع لقوة «رضوان» والوحدة الجوية، وفقًا لما قيل إنّه استناد إلى معلومات استخبارية دقيقة.

وبين عمليةٍ تشبه في توقيتها عملية «البيجر» السابقة، يبقى الفارق أنّ الأولى خلّفت جرحى، فيما تركت الثانية قتلى، وكأنّ الرسالة تتدرّج في قسوتها بقدر ما يضيق هامش التفاهم. أما رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، فلم يوارِ مقصده حين قال إنّ وقف إطلاق النار ليس نهاية الحرب، بل استراحة استعدادًا لما هو آتٍ.

وفي موازاة الميدان، عادت إيران إلى ورقة مضيق هرمز، فأقفلت الممر الحيوي أمام ناقلات النفط، في خطوة تتجاوز حدود الردّ العسكري إلى الضغط على إيقاع الاقتصاد العالمي. وقد لا يكون بعيدًا أن ينعكس ذلك على مسار المفاوضات المنتظرة في إسلام آباد السبت المقبل، حيث تختبر واشنطن وطهران مجددًا حدود الممكن بين التصعيد والاحتواء.

تبدو الهدنة، إذا صحّت تسميتها، أقرب إلى تفاهمٍ هشّ يقوم على نصوص غير متطابقة، أكثر مما هي اتفاقٌ مكتمل العناصر. ولعلّ اختيار تسمية «الظلام الأبدي» يحمل في ذاته ما يتجاوز اللغة العسكرية إلى الإيحاء الرمزي: فالظلام، في الذاكرة التوراتية، قرين الدينونة والفوضى والانقطاع، وإذا اقترن بالأبدية اتّسع معناه ليغدو صراعًا مفتوحًا لا حادثًا عابرًا. من هنا يمكن قراءة ما وراء الكلمات، حيث لا تعود المسألة مجرّد مواجهة محدودة، بل رسالة تتجاوز حدود الجغرافيا.

في هذا المشهد، يبدو لبنان وكأنّه يقف تحت مقصلة واقعٍ يتجاوز قدرته على الاحتمال. دولةٌ تبحث عن موقعها بين نارين، وشعبٌ يفتّش عن حدّ أدنى من الطمأنينة في زمنٍ تتقدّم فيه لغة القوة على ما عداها. وإذا كانت الحروب تبدأ غالبًا بكلمات، فإنّ أخطر ما فيها أن تتحوّل الكلمات نفسها إلى قدر.

 

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com