هذا الوجع لا يُكتب : لبنان في مواجهة الألم المفتوح

كاتبة وناشطة سياسية
من ثقل الفاجعة لم أقوَ على الكتابة في وقتها، ولم أجد في الكلمات ما يتّسع لهذا الوجع.
حاولت أن أكتب، فتوقفت. حاولت أن أصف، فعجزت. فالذي حدث أكبر من اللغة، وأقسى من أن يُقال.
بدل الكتابة، تواصلت مع أكثر من ثلاثمئة صديق وصديقة في بيروت لأطمئن عليهم.
اللافت، بل الصادم، أن الرد كان واحدًا تقريبًا: “الحمد لله”.
حتى أولئك الذين فقدوا أهلهم وأحبابهم… بدأوا بهذه الكلمة.
يا إلهي، ما هذا الصبر؟
ما هذا الإيمان الذي يسبق الانكسار؟
أي قلبٍ يحتمل كل هذا، ثم يجد في نفسه القدرة على أن يحمد؟
لبنان اليوم لا ينزف فقط… بل يختنق.
وطنٌ يحمل وجع أرضه وثقل خذلانه بصمت، كأن كل حجر فيه يروي حكاية ألم، وكل شارع يشهد على حزنٍ لم يعد له نهاية.
بيروت تختنق بالدخان، وصيدا تئنّ تحت وطأة الوجع،
والمدن والقرى الجنوبية تُطفئ أنوارها تحت النار. لم يعد قصف المجرم يفرّق بين مكان وآخر، ولا بين حياة وأخرى.
امتدّ الجنون ليطال كل شيء… الجنوب، البقاع، الضاحية، وبيروتنا نفسها.
نُستهدف في أرضنا، في بيوتنا، في تفاصيل حياتنا، وكأن هذا الوطن كُتب عليه أن يبقى في دائرة النار. والله تعبت قلوبنا. تعبت من هذا التكرار القاسي للمآسي، من الظلم الذي لا يتوقف، من القهر الذي يعود كل مرة بوجه جديد، لكنه يحمل الألم نفسه.
تعبنا من محاولة الفهم، من البحث عن منطق لما لا منطق له. والأوجع من كل ذلك…
أن يتحول الدم إلى جدل، وأن تُقاس المأساة بالانتماء، وأن يُسأل عن الضحية قبل أن يُبكى عليه.
كأننا لم نخسر فقط أماننا… بل نخسر إنسانيتنا أيضًا.
نسأل: أين الدولة؟
ولا يأتي جواب.
ننتظر كلمة، موقفًا، صوتًا يطمئن… فلا نسمع إلا الصمت.
فنجد أنفسنا نسمع من يقصفنا أكثر مما نسمع من يفترض أن يحمينا. هزُلت!!!
هذا وحده كفيل بأن يكسر شيئًا عميقًا في داخلنا.
لبنان اليوم تحت نيران همجية مدمّرة، لكنه أيضًا تحت ضغط داخلي لا يقل خطورة:
انقسام، تشظّي، وخطاب يزيد النار اشتعالًا بدل أن يطفئها. والحقيقة الأصعب…
أن الناس تُترك وحدها بين خيارين كلاهما قاسٍ:
أن تخاف، أو أن تُلام.
أن تصمت، أو أن تُصنّف.
لا أعرف إن كانت كلمة “سنبقى” لا تزال تكفي اليوم.
ولا أعرف إن كان هذا الصمود الذي نردده قادرًا على حمل كل هذا الألم.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا:
لا يمكن لهذا القدر من الأسى أن يستمر إلى ما لا نهاية. لا بد لهذا الليل أن ينتهي.
لا بد لهذا الوجع أن يجد طريقه إلى الخفوت.
ولا بد لهذا الوطن، مهما استُهدف، أن يستعيد يومًا حقه في الحياة.
أما نحن…
فكل ما نملكه الآن، أن نحافظ على ما تبقى فينا من إنسانية،
وألا نسمح لهذا الألم أن يحوّلنا إلى نسخة أخرى من هذا الخراب.
رحم الله الشهداء، وشفى الجرحى، وحمى لبنان…
لعلّ الفجر يأتي، ولو متأخرًا.