الدولة انتزعت قرار السلم لتفاوض، فيما قرار الحرب لا يزال بيد “حزب الله”

خاص بوابة بيروت

بعد 44 سنة تعود الدّولة اللبنانيّة إلى طاولة المفاوضات، لكن هذه المرّة من دون أيّ ورقة قوّة بيدها سوى قدرتها في كونها القوّة الشرعيّة التي تفاوض. وذلك عملًا بمبادرة فخامة رئيس الجمهوريّة. ولكن الاشكاتليّة تكمن في أنّها تنطلق من المطالبة بوقف لإطلاق النّار فيما الاسرائيلي لن يقبل بذلك.

ووسط هذه المعضلة يطلّ علينا البدر القاسم من خلف الشاشات رافضًا التفاوض ومعلنًا الحلّ من وجهة نظره يكمن بفرض وقف إطلاق النّار. الدولة تكابد لتستعيد قرار السلم، والمنزظّمة المحظورة تتمسّك بقرار الحرب وتمارسه عمليًّا، والشعب يدفع الفاتورة من دمائه وجرّافات ال D9 تمحو له طريق العودة.

بنت جبيل من مدينة للصمود إلى رمز للهزيمة والانكسار

سقطت سرديّة قاسم الإلهية المنبثقة من عفن الإيديولوجيا وتاريخ الدم. وذلك بفعل سقوط بنت جبيل التي تحوّلت إلى رمز لانكسار الهالة التي رسمها سلفه في العام 2006. وعلى وقع المناشدات للدولة التي ارتفعت في النّهار، لمحاولة إخراج مقاتليه الذين أصبحوا بحكم الأموات، فشل بطمانة ” بيئته المتماسكة” لأنها بالحقيقة أصبحت بيئة متهالكة تبحث عن مخارج وكلّها مقفلة بفعل ما جَنَتْهُ على نَفْسِها بَراقِش.

تلك الكلبة التي كانت تحرس قومًا اختبأوا من اعدائهم. وكاد الأعداء يستسلمون للرحيل بعدما عجزوا عن اكتشاف مخبأهم. لكنّ براقش نبحت بصوت عالٍ فكان ما أصابهم بسببها.

وهكذا حدث بعد إسناد غزّة وانتقامًا للخامينئي عاد “الأعداء” على ميركافاتهم وخلفهم جرّافات ال D9 فماتوا كلّهم وجرفت بيوتهم وتمّ محو حتّى ذكرياتهم. فماذا يخفي الاسرائيلي خلف هذا الدّمار؟ هل هذا إقفال لسبل العودة؟ أم جَوْلَنَةٌ لجنوب لبنان؟

والأخطر في هذا المشهد اليوم، وبعد كل هذا الثمن الباهظ، لم يتّعظ لا قاسم ولا منظّمته ولا مشغّله الفارسي بل اجتمعوا كلّهم ليمارسوا الضغط ذاته على قرار الدولة في التفاوض، كما مارسوه على قرارها في الحرب. وتبقى الدولة الصامدة و كلّ لبناني فيها يريد الحياة بكرامة بعيدًا من هوس الموت ولوثة الجهاد السرمدي.

هل الاستسلام التفاوضي خرق وانتصار للدولة؟

ما من عاقل إلا ويدرك بانّ التفاوض اليوم بات ضرورة لا خيارًا في حين كان في زمن مضى أي قبل 44 سنة خيارًا وليس ضرورة. وعن مشروعيّة هذه المفاوضات اليوم يكفي أن يدرك من أعدم شبابه طوعًا تحت مسمّيات المقاومة وسرديّاتها أنّ الدولة وحدها قادرة أن تضمن أبناءها وتحميهم. وسرديّات التخلّي عن الجنوب لتبرير الخروج من تحت عباءة الدّولة أسقطت بفعل عجز قوى الأمر الواقع على فرض قوّة الأمر الواقع.

الذاهبون إلى واشنطن جعبهم فارغة إلّا من نزيف وطن تسبّب به من ادّعى يومًا بأنّ جعبه فيّاضة ليتبيّن أنّ هذه الجعب كلّها لم تجلب سوى الموت والدّمار. وحده صوت العقل والحكمة والحقّ قادر أن ينتزع الحقّ بحكمة العقل.

فحجم الذي ضاع من لبنان، وما قد يضيع على وقع تهديد إسقاط هذه المفاوضات لن نتمكّن من إرجاعه إذا ما قالت هذه الدّولة كلمتها ومشت. فما لم تدمرّه آلة الحرب ستدمّره تعدّديّة ممارسة التنوّع السياسي بقوّة الأمر الواقع.إمّا أن تنتصر الدّولة ليبقى الوطن، وإمّا أن تهزم هذه الدّولة بأيديهم وعندها …. فليبحثوا هم عن وطن يأويهم وليتركوا لنا ما بقي من لبنان لنعيد معًا وطن الـ10452 كم².

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com