عيد القيامة… دعوة لإنقاذ ما تبقّى من إنسانيتنا

بقلم خلود وتار قاسم

في زمنٍ تُعاد فيه صياغة المعاني، وتُختبر فيه القيم على وقع الأزمات، نتوجّه إلى إخوتنا في الطوائف الأرثوذكسية بأصدق التهاني بمناسبة عيد الفصح المجيد، عيد الرجاء الذي لا يموت، والنور الذي يصرّ أن يولد حتى من قلب العتمة.

لكن هذا العيد، في هذه المرحلة تحديدًا، لا يمكن أن يُقرأ كطقسٍ عابر، بل كرسالة عميقة لنا جميعًا. ففي لبنان والمنطقة، حيث تتداخل الأزمات وتتشابك المصالح، وحيث يُعاد رسم الخرائط على حساب الإنسان، يصبح السؤال: كيف نحمي ما تبقّى من إنسانيتنا؟ وكيف نحفظ قدرتنا على أن نلتقي، لا أن ننقسم؟

الفصح، في جوهره، ليس فقط انتصار الحياة على الموت، بل انتصار المعنى على العبث، والحق على محاولات طمسه. هو دعوة صامتة ولكن حاسمة، لأن نُعيد ترتيب أولوياتنا، وأن ندرك أن أخطر ما قد نخسره ليس الأرض وحدها، بل الروابط التي تجعلنا شعبًا واحدًا.

في زمن الانقسامات الحادة، يصبح التمسك بالوحدة فعل وعي، لا مجرد شعار. أن نختار بعضنا البعض، رغم كل شيء، هو موقف. أن نرفض أن نكون وقودًا لصراعات أكبر منا، هو موقف. أن نُبقي لبنان مساحة لقاء، لا ساحة تصفية حسابات، هو موقف أيضًا.

من هنا، يأتي العيد كفرصة نادرة: ليس فقط لنُعايد، بل لنُصحّح المسار. لنقول إننا، رغم كل ما مرّ بنا، ما زلنا قادرين على أن نكون مجتمعًا حيًا، لا مجموعة جزر معزولة. وأن المحبة، في هذا الزمن تحديدًا، ليست ضعفًا، بل أعلى أشكال القوة.

فصحٌ مجيد، أعاده الله على الجميع بنورٍ يبدّد هذا الضباب الثقيل، وببصيرةٍ تعيد إلينا القدرة على التمييز، وبإرادةٍ تُحصّن وحدتنا في وجه كل ما يهدّدها. لأن لبنان، في نهاية المطاف، لا يُنقَذ إلا بأبنائه وبناته… حين يختارون أن يكونوا معًا يدا واحدة.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com