وهم الانتصار وحقّ الحياة
بقلم د. حبيب باشا – خاص بوابة بيروت
في مجتمعاتنا وحروبنا، لم يعد السؤال: من انتصر؟ بل، هل بقي أحد ليعيش نتيجة هذا الانتصار؟
هناك خطاب يتكرّس يومًا بعد يوم، لا يرى في الأوطان إلا ساحات، ولا في الشعوب إلا وقودًا، ولا في المستقبل إلا امتدادًا لمعركةٍ لا تنتهي.
خطاب يتغذّى على فكرة واحدة، أننا دائمًا في حالة حرب، وأن هذه الحالة ليست استثناءً طارئًا، بل قدرٌ دائم يجب التكيّف معه، بل وتمجيده أحيانًا.
المشكلة ليست في الدفاع عن قضية، ولا في رفض الظلم، ولا حتى في حمل السلاح عند الضرورة.
المشكلة تبدأ حين تصبح الحرب هي الهوية، وحين يتحوّل القتال من وسيلة إلى غاية، ومن خيار اضطراري إلى أسلوب حياة.
عندها، يتغيّر كل شيء.
تصبح الدولة عبئًا، والقانون تفصيلًا ثانويًا، والمؤسسات ترفًا يمكن الاستغناء عنه.
ويُعاد تعريف “القوة” ليس بقدرة المجتمع على الاستقرار والازدهار، بل بقدرته على تحمّل المزيد من الخراب.
في هذا المنطق، لا يُقاس النجاح بما يُبنى، بل بما يُهدم.
ولا تُحسب الإنجازات بعدد المدارس والمستشفيات، بل بعدد الجبهات المفتوحة.
ولا يُسأل: كيف نعيش؟ بل: كيف نصمد أكثر؟
لكن الصمود، حين ينفصل عن أفقٍ للحياة، يتحوّل إلى استنزاف بطيء.
استنزاف للاقتصاد، للعقول، للأمل، ولقدرة الإنسان على تخيّل مستقبل مختلف وقبل كل شيئ فهو استنزاف للإنسان.
جيلٌ كامل ينشأ على فكرة أن الحياة مؤجّلة، وأن الاستقرار وهم، وأن الطموح رفاهية لا تليق بزمن المعارك.
جيلٌ يتعلّم كيف ينجو، لكنه لا يتعلّم كيف يعيش. وفي المقابل، تُقدَّم هذه الحالة على أنها انتصار.
أيّ انتصارٍ هذا الذي يحتاج إلى تبريرٍ دائم؟
أيّ انتصارٍ يخاف من الأسئلة؟ وأيّ انتصارٍ لا يمكن أن يستمر إلا بإبقاء الناس في حالة تعبئة دائمة وخوفٍ مستمر؟
الانتصار الحقيقي لا يُقاس فقط بمن غلب من، بل بما الذي حدث بعد ذلك.
هل قامت دولة؟ هل عاد الناس إلى أعمالهم؟ هل أصبح المستقبل أكثر وضوحًا؟
أم أننا عدنا إلى نقطة الصفر، ننتظر جولة جديدة، ونسمّي ذلك ثباتًا؟
الرهان الدائم على الحرب كخيارٍ أول، وليس أخير، هو رهان ضدّ الحياة نفسها.
لأن الحياة بطبيعتها تحتاج إلى استقرار، إلى قواعد، إلى مؤسسات، إلى شعور بأن الغد يمكن أن يكون أفضل، لا نسخة مكرّرة من الأمس.
وليس من العدل أن يُطلب من الشعوب أن تدفع هذا الثمن إلى ما لا نهاية، تحت عناوين كبيرة، بينما أبسط حقوقها أن تعيش بأمان يبقى مؤجّلًا.
القوة ليست فقط في القدرة على المواجهة، بل في القدرة على البناء بعد المواجهة.
والكرامة ليست فقط في رفض الهزيمة، بل في رفض أن تتحوّل الحياة نفسها إلى هزيمةٍ مستمرة.
قد يكون من السهل رفع الشعارات، ومن السهل إعلان الانتصارات، ومن السهل أيضًا شيطنة كل من يطرح سؤالًا مختلفًا.
لكن الأصعب والأصدق هو أن نواجه الحقيقة، لا يمكن لأي مجتمع أن يعيش إلى الأبد في حالة حرب، ولا يمكن لأي فكرة أن تبقى مقنعة إذا كانت نتيجتها الدائمة هي الخراب.
في لحظةٍ ما، لا بد من طرح السؤال الذي يتم تأجيله دائمًا، متى نعيش؟
لأن كل انتصار لا يفتح بابًا للحياة، هو انتصار ناقص…
وكل معركة لا تقود إلى استقرار، هي مجرّد تأجيل لمعركةٍ أخرى.
وفي خضم كل هذا الضجيج، تبقى الجملة الأبسط هي الأكثر صدقًا، وأنت في طريقك لتبحث عن انتصار، لا تنسَ أن تعيش.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير