تغييب لبنان في مرحلة الترتيب

خاص بوابة بيروت

لم يعد خافيًا على أحد أنّ المنطقة تخضع لترتيبات جيواستراتيجيّة انطلاقًا من المستقبل الاستثماري الذي ستقبل عليه حتمًا. ولا يمكن أن يقبل الراعي الأميركي بان تستمرّ منطقة نزاعات، أو حتّى منطقة للتنافس على النّفوذ العسكري أو السلطوي. فمّما يبدو أنّ التوجّه للتحوّل إلى منظومة حكم الشّركات على قاعدة تحكّمها بالوقائع السياسيّة للمنطقة. وإن استمرّ لبنان “غير الدّولة” بجرّ الدّولة نحو المسار الانتحاري فسيتمّ تغييبه لينطلق القطار من دونه.

من وقف إطلاق النّار إلى تحوّل في قواعد الاشتباك

يعيش لبنان أصعب أسبوعين في هذه المرحلة إذ نجح الإسرائيلي بتحويل وقف إطلاق النّار إلى قواعد جديدة للاشتباك تبدأ بالخطّ الأصفر الذي رسمه بالأحمر. حيث صرّح المسؤولون الاسرائيليّ,ن علانيّة بتوسيع هوامش الضربات في القادم من الأيّام. ما يعني عمليًّا بأنّنا مقبلون على واقع اختبار للحرب الروبوتيّة التي ينجح الاسرائيلي بتوظيف تجاربه فيها، بعدما كانت غزّة أرض الاختبار الأوّل. ما يعني أيضًا أنّ نظام الرّدع الاسرائيلي القديم قد تمّ إعادة هندسته بناء على الواقع الجغرافي الجديد الذي فرضه بقوّة التفوّق التكنولوجي.

فباتت الدّولة اللبنانيّة بقواها الشرعيّة تلعب دور الوسيط في عمليّة تنسيق بين القوى المتحاربة قبل أن تصبح هي نفسها شريكة مع هذه القوى؛ وذلك لأنّ الإسرائيلي قرأ جيّدًا هذا الدّور الذي تلعبه الدّولة اللبنانيّة بتدوير الزوايا ما بين واشنطن وتل أبيب ومرورًا بطهران عوض أن تفرض ما تحتّمه شرعيّة وجودها. وهذه المسائل كلّها لا تسأل عن أسبابها سوى منظّمة “حزب الله” التي فرضت تغيير زاوية قراءة المفاوضات من حيث طرح إشكاليّة مَن قادر على إلزام مَن بماذا؟

إلى أي مدى تستمرّ الوساطة؟

نتيجة للواقع الذي نجح الإسرائيلي بفرضه بسبب ما أقدمت عليه منظمة “حزب الله” بعد إسنادَين انتحاريّين تحوّل الدّور الأميركي من وسيط يفرض الحلول الشاملة إلى مدير للأزمة؛ بغضّ النّظر عن تصريحات الرئيس ترامب حول مدى اهتمامه بالملفّ اللبناني.

لكن ما الذي يستطيع أن يقدّمه الأميركي إن لم يرَ أيّ تعاون شرعي من قبل الدّولة اللبنانيّة؟ ولعلّ هذا ما دفع فخامة الرئيس إلى البحث عن دور أوروبيّ محتمل لسدّ هذا الفراغ الذي قد يتركه الأميركي لأمر واقع جديد سيفرضه الإسرائيلي بعد انتهاء مهلة الأسبوعين.

فلا يعتقدنّ أحد أنّ الراعي الأميركي قد يسعى إلى تجديد الفرصة للدولة اللبنانيّة التي بات مقتنعًا بعجزها. وفي هذه الحالة الدّعم الكلامي للنّهج الذي يقدم عليه فخامة الرئيس لم يجدِ أيّ نفع. بل المطلوب من القوى السياسيّة الدّاعمة لخطوة التفاوض المباشر اتّخاذ موقف حاسم وحازم لأنّ الفرصة لن تتكرّر أكثر من ثلاث مرّات.

وهذا ما سيجعل الأميركي راضخًا لضغطين: الضغط الإسرائيلي الدّاخلي لاستكمال مهمّته في الدّاخل اللبناني من جهة؛ والضغط الأميركي الدّاخلي من جهة ثانية للتخلّي عن هذه الحرب بعدما حقّق الأميركي فيها سحق ما يهدّد أمنه القومي.

من الشلل المصيري إلى الموت السريري

المؤسف في هذا المسار أنّنا نلمس يومًا بعد يومٍ بأنّ لبنان لم يعد أولوية قصوى إلا كملف منع انفجار. وهذا ما جعل الاستقرار باردًا والهدنة هشّة والميدان الجنوبي مشتعلًا. وهذا ما قد يدفع إلى تقليص الاستثمار السياسي في لبنان على حساب الاستثمار الإقليمي الكبر والأربح.

ولا سيّما في ظلّ غياب استثمار اقتصاديّ جدّيٍّ وواضح. ما سيجعل لبنان أمام خيارين أحلاهما مرّ، الخيار الأوّل أن يبقى في ثلّاجة الانتظار، وبالطبع هنا ندقّ ناقوس خطر انهيار اقتصاديّ مدوٍّ ولاسيّما بعد تصريحات وزير المال الأخيرة حول الحفاظ على الانتظام المالي العام. أمّا الخيار الثاني فسيكون الخيار الذي لطالما طمح إليه الأزرق، أي استكمال مهامه التدميرية ليجعل من لبنان كلّه وطنًا غير قابل للحياة، وبالتّالي غير قادر على المنافسة الاستثماريّة المستقبليّة.

يبقى أنّ السلطة اليوم تعاني من عمليّة لامبالاة منظّمة نجحت منظّمة “حزب الله” بفرضها بسبب ستاتيكو الحرب وتداعياتها، وباعتقادي لن يطول هذا الستاتيكو، وهذا الأمر بحدّ ذاته هو أخطر من أيّ تصعيد مرتقب لأنّه يدخل البلد بأكمله بعمليّة شلل مصيري كمن يعيش موته السريري.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك