حماية العقل… المقاومة الكبرى في عصرنا

خاص بوابة بيروت

تكشف الأزمة اللبنانية، يومًا بعد يوم، أنّ الانهيار لم يعد سياسيًا أو اقتصاديًا فقط، بل بات أقرب إلى أزمة وعي جماعي عميقة. فالدول لا تسقط فجأة لأن حكّامها فاسدون فحسب، بل لأن مجتمعاتها تسمح، بصمتها أو بعصبياتها أو بأوهامها، بإعادة إنتاج المنظومة نفسها مرة بعد أخرى. هنا تحديدًا تكتسب العبارة القديمة “كما نكون يُولّى علينا” معناها القاسي، لا بوصفها حكمة أخلاقية فقط، بل توصيفًا دقيقًا لحالة بلدٍ تحكمه الانقسامات أكثر مما تحكمه المؤسسات.

خيارات اللبنانيين، في كثير من الأحيان، لم تُبنَ على مفهوم الدولة أو المواطنة، بل على الغرائز الطائفية، والولاءات العائلية، والتعصب الأعمى، والخوف المزمن من الآخر. هكذا تحوّل الوطن إلى مجموعة جزر نفسية معزولة، لكل منها روايتها الخاصة، وذاكرتها الخاصة، وزعيمها الخاص، حتى صار اللبناني يعرف طائفته أكثر مما يعرف دولته، ويثق بمرجعيته المذهبية أكثر مما يثق بالقانون.

أزمة لبنان اليوم ليست فقط في الاقتصاد المنهار أو السياسة الفاسدة، بل في “الفوضى الدماغية” التي تحكم طريقة التفكير العامة. فالعقل الجمعي اللبناني أُنهك لعقود بخطابات التخويف، والتعبئة، والتقديس السياسي، حتى بات كثيرون يدافعون عن جلاديهم بحماسة، ويهاجمون أي محاولة لبناء دولة فعلية لأنها تهدد توازنات الوهم التي اعتادوا عليها.

لهذا تبدو السخرية السوداء في القول إن لبنان يحتاج إلى “فحص محوري جماعي” أكثر قربًا إلى الحقيقة مما نظن. فالمشكلة لم تعد في النصوص الدستورية فقط، بل في البنية الذهنية التي تنتج الطائفية وتعيد تدويرها جيلاً بعد جيل. كأنّ الجينات السياسية أصابها خلل مزمن، فأصبح التعصب رد فعل تلقائيًا، وفقدان الهوية الوطنية حالة طبيعية، والعيش داخل القوقعة الطائفية شكلًا من أشكال الأمان النفسي.

الأخطر أن هذا المرض لا يقتصر على المقيمين داخل لبنان، بل يمتد إلى جزء من الاغتراب اللبناني أيضًا، حيث يحمل البعض معهم الانقسامات ذاتها إلى الخارج، ويعيدون إنتاج العصبيات نفسها ولو كانوا يعيشون في أكثر الدول تقدمًا وانفتاحًا. كأنّ الطائفية لم تعد مجرد موقف سياسي، بل حالة ذهنية متجذرة في الوعي والسلوك.

لكن رغم قتامة الصورة، يبقى العلاج ممكنًا. يبدأ أولًا بالاعتراف بالمرض، لأن أخطر أنواع الانهيار هو ذاك الذي يرفض أصحابه الاعتراف بوجوده. ثم يأتي دور التربية، والإعلام، والثقافة، وبناء مفهوم المواطنة، لا كمادة مدرسية، بل كأسلوب حياة. فلا دولة يمكن أن تقوم إذا بقي اللبناني يرى نفسه ابن طائفة قبل أن يكون ابن وطن.

لبنان لا يحتاج فقط إلى إصلاح سياسي، بل إلى إعادة تأهيل وطني شامل. يحتاج إلى تحرير العقل قبل تحرير المؤسسات، وإلى إعادة تعريف الهوية خارج الاصطفافات القاتلة. لأن الأوطان لا تبنى بالهويات المتناحرة، بل بإرادة جماعية تؤمن أن الدولة ليست غنيمة، وأن المواطن ليس تابعًا، وأن التنوع لا يعني الانقسام.

السؤال الحقيقي لم يعد، من يحكم لبنان؟

السؤال الأخطر أصبح، أي نوع من البشر نريد أن نكون كي نستحق وطنًا يشبه الحياة؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك