بقلم د. محمد عبدالجليل غزيّل
على مدى أكثر من ثلاثة عقود، تعاقبت على لبنان حكومات متعددة، بأسماء وشعارات وتحالفات مختلفة، لكن النتيجة بقيت واحدة: انهيار متواصل للدولة، استنزاف للمالية العامة، تفكك تدريجي للمؤسسات، وانهيار شبه كامل للنموذج الاقتصادي الذي بُني ما قبل عام 1964 وما بعد نهاية الحرب الأهلية.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد مرتبطاً فقط بالأزمة المالية أو الاقتصادية، بل بجوهر الإدارة السياسية للدولة.
هل عجزت الحكومات المتعاقبة عن تنفيذ إصلاحات حقيقية بسبب نقص في الكفاءة والمعرفة؟ أم بسبب غياب الإدارة السياسية الرشيدة؟ أم أن القرار السيادي الجماعي بإخراج لبنان من الانهيار لم يكن موجوداً أساساً؟ وما زال غير موجود.
الواقع أن الأزمة اللبنانية لم تكن يوماً أزمة أرقام فقط، بل أزمة حكم، وأزمة غياب مشروع دولة.
فمنذ التسعينيات، اعتمد لبنان نموذجاً اقتصادياً هشاً قائماً على الاستدانة، الخدمات، الريوع المالية والعقارية، والاقتصاد الاستهلاكي، من دون أي رؤية إنتاجية طويلة الأمد.
لم تُبنَ دولة اقتصادية حقيقية، ولم تُعطَ القطاعات المنتجة أي أولوية استراتيجية، فيما جرى التعامل مع الدولة كمنصة لتقاسم النفوذ السياسي والإداري بدل تحويلها إلى مؤسسة تنموية.
في المقابل، لم تبادر الحكومات المتعاقبة إلى وضع برنامج اقتصادي وطني متكامل يهدف إلى:
- إعادة بناء الهوية الوطنية واستعادة العقد الاجتماعي في لبنان.
- زيادة إيرادات الخزينة بشكل مستدام.
- خلق فرص عمل حقيقية.
- تطوير الصناعة الوطنية.
- دعم القطاع الزراعي.
- دعم القطاعين السياحي والثقافي.
- تحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي.
- حماية الطبقة الوسطى.
- إصلاح البنية التحتية.
- وإعادة بناء الثقة بالدولة والقطاع المالي.
الأخطر أن معظم الحكومات كانت تدير الأزمات بدل أن تعالج أسبابها البنيوية. وعوض الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد الإنتاجي، استمر الاعتماد على القروض، والمساعدات، والهندسات المالية، إلى أن وصل البلد إلى الانهيار الكامل.
من هنا، كان يُفترض بأي حكومة جديدة، وخصوصاً حكومة برئاسة شخصية بحجم نواف سلام، أن تتعامل مع المرحلة باعتبارها لحظة تأسيسية لإعادة بناء الدولة، لا مجرد إدارة يومية للأزمة.
كان يُفترض بحكومة نواف سلام أن تبدأ أولاً بوضع رؤية سيادية إصلاحية واضحة، تنقل لبنان من منطق التسويات السياسية المؤقتة إلى منطق الدولة القادرة على اتخاذ القرار الاقتصادي والمالي المستقل.
الإصلاح الحقيقي لم يكن يحتاج فقط إلى خطابات أو وعود دولية، بل إلى برنامج تنفيذي واضح يتضمن خطوات عملية ومحددة زمنياً.
أولاً، كان على الحكومة إطلاق خطة اقتصادية وطنية إنتاجية تقوم على دعم القطاعات القادرة على توليد النمو وفرص العمل، وفي مقدمتها:
- الصناعة.
- الزراعة.
- التكنولوجيا.
- الاقتصاد الرقمي.
- والسياحة المستدامة.
لبنان لا يستطيع الاستمرار كاقتصاد خدمات هش يعتمد فقط على التحويلات الخارجية والاستهلاك الداخلي. كما أن الاستمرار في التكلّم عن إعادة تنظيم القطاع المصرفي، على أمل أن يكون هذا القطاع هو الاصلاح الاقتصادي ككل، أو الهرولة الى تسويق قانون الفجوة المالي كمنقذ أبدي، تكون الحكومة برئاسة نواف سلام على خطأ فادح وبدون أية رؤية على المدى الطويل.
ثانياً، كان يفترض بالحكومة إعادة هيكلة الإدارة العامة على أسس الكفاءة والإنتاجية، لا المحاصصة السياسية. فلا يمكن جذب الاستثمارات أو استعادة ثقة الداخل والخارج في ظل انهيار اقتصادي شامل وسياسة نقدية منهارة ونظام سياسي متشرذم بين الطائفية والحزبية، ومؤسسات مشلولة وفساد إداري مزمن، كما نَشط الوزير عامر البساط وعلى مدى ما يزيد عن ستة أشهر في إقناع الراي العام بإنجازاته السطحية.
ثالثاً، كان يجب إطلاق إصلاح مالي حقيقي يبدأ من:
- وضع سياسة نقدية جديدة، فلم يعد هناك عملة وطنية يُحتذى بها.
- توحيد سعر الصرف.
- إعادة هيكلة القطاع المصرفي.
- ضبط الهدر.
- إصلاح قطاع الكهرباء.
- وإقرار سياسات ضريبية عادلة تحفز الاقتصاد بدل خنقه.
أي إصلاح اقتصادي من دون إصلاح مالي وإداري متزامن يبقى ناقصاً وغير قابل للاستمرار.
رابعاً، كان على الحكومة وضع برنامج طوارئ اجتماعي لحماية الفئات الأكثر تضرراً من الانهيار، لأن أي إصلاح اقتصادي من دون حماية اجتماعية سيتحوّل إلى انفجار اجتماعي وسياسي.
خامساً، كان يُفترض بحكومة نواف سلام أن تؤسس لما يمكن تسميته “الإدارة السياسية العامة”، أي إنشاء منظومة مركزية لاتخاذ القرار تقوم على:
- التخطيط الاستراتيجي.
- التنسيق بين الوزارات.
- إدارة المخاطر.
- قياس الأداء.
- والمتابعة التنفيذية اليومية.
لبنان لا يعاني فقط من غياب الموارد، بل من غياب الإدارة السياسية الحديثة للدولة.
كذلك، كان من المفترض أن تعمل الحكومة على إعادة تعريف علاقة لبنان الاقتصادية بالخارج، عبر بناء شراكات استثمارية حقيقية مع الدول العربية والخليجية والمؤسسات الدولية، على قاعدة الإصلاح والسيادة والاستقرار، لا على قاعدة طلب المساعدات المؤقتة فقط.
لكن التحدي الأكبر لم يكن تقنياً أو اقتصادياً فقط، بل سياسياً بامتياز.
لأن أي حكومة إصلاحية حقيقية كانت ستصطدم مباشرة بشبكات المصالح السياسية والمالية التي استفادت لعقود من اقتصاد الدولة الضعيفة، ومن غياب المحاسبة، ومن تحويل المؤسسات إلى أدوات نفوذ بدل أن تكون أدوات إنتاج.
وهنا تكمن المعضلة الأساسية: هل توجد إرادة سيادية جماعية فعلية لإخراج لبنان من الانهيار؟
الإصلاح في لبنان لم يعد مسألة خطط تقنية فقط، بل قرار سياسي سيادي يحتاج إلى مواجهة ثقافة كاملة من التعطيل، والزبائنية، والمحاصصة.
المشكلة لم تكن يوماً في غياب الخبراء أو الكفاءات. لبنان يملك من الطاقات البشرية والاقتصادية ما يكفي لإعادة النهوض. لكن الأزمة الحقيقية كانت دائماً في غياب القرار السياسي القادر على تحويل المعرفة إلى سياسات، والخطط إلى تنفيذ، والدولة إلى مؤسسة فعلية.
اليوم، لم يعد اللبنانيون ينتظرون حكومات تدير الانهيار بأقل الخسائر، بل ينتظرون دولة تمتلك رؤية اقتصادية وسياسية واضحة، وإدارة حديثة، وقراراً سيادياً ينهي عقوداً من الاستنزاف والفشل.
فالدول لا تنهار فقط بسبب الأزمات، بل بسبب غياب الإرادة في الإصلاح عندما تصبح الأزمات واضحة أمام الجميع.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير