لبنان الكبير: الشراكة أو الانفجار، كفى استباحةً للمكوّن السني

خاص بوابة بيروت

لم يعد مقبولاً، ولا ممكناً، الاستمرار في التعامل مع السنة في لبنان كأنهم فائض ديموغرافي أو تفصيل سياسي يمكن شطبه بالتخوين والترهيب والتجويع والتهميش. هذه المرحلة انتهت.
ولغة الاستجداء انتهت معها أيضاً.

السنة في لبنان ليسوا “جالية سياسية” تعيش على هامش الجمهورية، بل هم أحد أعمدة الكيان اللبناني، وشركاء فعليون في تأسيس لبنان الكبير وصياغة هويته العربية والاقتصادية والثقافية والسيادية.

ومن يعتقد أن بإمكانه حكم لبنان عبر معادلة السلاح والابتزاز وإلغاء المكوّن السني، فهو عمليًا يضع الكيان اللبناني نفسه على حافة الانفجار.

لقد تعب اللبنانيون من الأكاذيب.
وتعبوا أكثر من سياسة دفن الحقائق تحت عنوان “الاستقرار”.

تسمية الأشياء بمسمياتها

المشكلة في لبنان ليست “سوء تفاهم داخلي”، ولا “خللًا في التوازنات”، ولا “حساسية طائفية” كما يحاول البعض تسويقها.

المشكلة واضحة: هناك مشروع ميليشياوي مسلح صادر الدولة اللبنانية بقوة السلاح، ووضع المؤسسات تحت الإكراه السياسي والأمني، وحوّل جزءاً كبيراً من اللبنانيين إلى رهائن داخل وطنهم.

وهناك سلاح غير شرعي صادر قرار الحرب والسلم، وعطّل القضاء، واخترق الإدارة، وأخضع الحياة السياسية لمنطق القوة لا لمنطق الدستور.

هذه هي الحقيقة التي حاول كثيرون الهروب منها لسنوات.
لكن الوقائع أسقطت الأقنعة.

خالد حبلص وكسر رواية “شيطنة السنة”
إن خروج الشيخ خالد حبلص من سجن رومية والخطاب الذي أطلقه بعد الإفراج عنه، شكّل ضربة سياسية ومعنوية لكل ماكينة التحريض التي أمضت سنوات تحاول تصوير البيئة السنية كبيئة متطرفة بالفطرة.

الرجل خرج بخطاب يدعو إلى التعايش واحترام الآخر والعيش المشترك والدولة، بينما كثير ممن احتكروا خطاب “الاعتدال” كانوا يمارسون في السياسة أبشع أنواع التحريض المذهبي والاستقواء بالسلاح.

وهنا المفارقة الكبرى.

فالبيئة السنية، رغم كل ما تعرضت له من اغتيالات وتهميش وإقصاء وتشويه، لم تتحول إلى مشروع انعزالي أو ميليشياوي، بل بقيت تطالب بالدولة ومؤسساتها والجيش والقانون.

لكن التمسك بالدولة لا يعني القبول بالذل.

والدعوة إلى الشراكة لا تعني التسليم بالاستباحة.

عبرا: الجريمة التي مُنع اللبنانيون من مناقشتها

في لبنان، يمكنك أن تناقش كل شيء… إلا الحقيقة.

ولهذا بقي ملف عبرا ملفاً ممنوعاً من النقاش الجدي، لأن مجرد طرح سؤال: “من أطلق الرصاصة الأولى؟” كان كفيلاً بإثارة هستيريا المنظومة التي أرادت إقفال الملف بالقوة السياسية والإعلامية والأمنية.

ما جرى في عبرا لم يكن حدثًا معزولًا عن السياق السياسي الذي عاشه لبنان بعد عام 2005، بل جاء في ذروة مشروع فرض الهيمنة الكاملة على الدولة اللبنانية بعد اغتيال .

لقد تم دفع البلاد تدريجيًا نحو معادلة قاتلة: إما القبول بالأمر الواقع الذي يفرضه السلاح، أو الاتهام بالتطرف والخيانة والفتنة.

وتم استخدام المؤسسة العسكرية، التي نحترم دورها الوطني، في قلب اشتباك سياسي وأمني بالغ التعقيد، فيما كانت قوى الأمر الواقع تحاول تكريس صورة مفادها أن أي اعتراض على هيمنتها هو تلقائيًا مشروع إرهاب.

لكن السنوات اللاحقة كشفت حجم التضليل الذي مُورس على اللبنانيين، وكشفت أن المشكلة لم تكن يومًا في طائفة، بل في مشروع يريد تحويل لبنان إلى منصة إقليمية ملحقة بمحور خارجي.

اغتيال رفيق الحريري… ثم اغتيال مشروعه

اغتيال الرئيس الشهيد لم يكن اغتيال رجل فقط، بل اغتيال مشروع لبنان العربي المنفتح.

لكن الكارثة الأكبر جاءت لاحقًا، حين تم اغتيال هذا المشروع سياسيًا عبر سلسلة لا تنتهي من التسويات المذلة التي قُدمت للبنانيين على أنها “حكمة” و”واقعية”.

لقد قيل للسنة في كل مرة:

  • “تنازلوا كي لا ينهار البلد.”
  • “اصمتوا كي لا تقع الفتنة.”
  • “تحملوا الإهانة حفاظًا على الاستقرار.”

والنتيجة ماذا كانت؟

انهارت الدولة. وتوسع نفوذ الدويلة. وتحولت المؤسسات إلى هياكل فارغة. وغرق لبنان في العزلة والانهيار والفقر.

لقد أثبتت التجربة أن سياسة الانحناء أمام فائض القوة لا تنتج استقرارًا، بل تنتج مزيدًا من الابتزاز.

سقوط وهم “فائض القوة”

اليوم، يتغير المشهد الإقليمي بالكامل.

المشروع الإيراني الذي تمدد على أنقاض الدول العربية يتراجع تحت وطأة الوقائع السياسية والشعبية والاقتصادية، فيما تسقط تدريجيًا صورة “القوة التي لا تُهزم”.

والمفارقة أن السنة في لبنان، رغم كل ما تعرضوا له، لم يذهبوا نحو مشاريع انتقامية، بل عادوا للتأكيد على فكرة الدولة المدنية العادلة.

لكن يجب أن يفهم الجميع أن هذه العودة إلى الدولة ليست استسلامًا، بل قرار سياسي سيادي.

فالسنة في لبنان لم يعودوا في موقع الدفاع النفسي أو السياسي، بل في موقع استعادة الدور والشراكة والتوازن الوطني.

زمن إخضاع الطائفة السنية بالاغتيال والترهيب والتجويع انتهى. وزمن استخدام شعار “العيش المشترك” كغطاء لاحتكار القوة انتهى أيضًا.

الشراكة أو الانفجار

لبنان لا يُحكم بالغلبة. ولن يستقر تحت فوهة السلاح. ولا يمكن بناء وطن فيما فريق يحتكر القرار الاستراتيجي ويطلب من الآخرين الاكتفاء بدور المتفرج.

المعادلة الجديدة واضحة: إما دولة حقيقية بجيش واحد وقانون واحد وسيادة واحدة وعدالة واحدة، وإما استمرار الانهيار والتفكك والصدام المفتوح مع الواقع.

السنة في لبنان ليسوا “أقلية سياسية” تنتظر الحماية من أحد، بل قوة تأسيسية وشعبية ووطنية لا يمكن تجاوزها أو شطبها أو إخضاعها.

ومن يعتقد أن بإمكانه حكم لبنان بمنطق الكسر والإلغاء، فهو لا يهدد طائفة بعينها، بل يدفع البلاد كلها نحو المجهول.

لقد انتهى زمن الصمت. وانتهى زمن التسويات الانبطاحية. وما يُطلب اليوم ليس امتيازات، بل استرداد الدولة المختطفة وإعادة بناء الجمهورية على قاعدة الشراكة الحقيقية والسيادة الكاملة.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك