ضرورة بناء رؤية وطنية متقدمة أو انهيار الدولة
إنقاذ لبنان لا يبدأ بإصلاح النظام فقط، بل بإعادة بناء فكرة وطن
بقلم د.محمد عبدالجليل غزيّل – خاص بوابة بيروت
لم تعد أزمة لبنان مجرد أزمة مالية عابرة أو تعثر اقتصادي مؤقت يمكن احتواؤه عبر تسوية سياسية جديدة أو حزمة إصلاحات تقنية محدودة.
ما يعيشه لبنان اليوم هو أزمة وجودية تضرب جوهر الدولة نفسها، وتكشف فشل النموذج السياسي والإداري الذي حكم البلاد منذ نهاية الحرب الأهلية. فالدول لا تنهار فقط عندما تفلس خزائنها أو تتراجع عملاتها، بل تنهار عندما تفقد قدرتها على إنتاج رؤية وطنية جامعة، وعندما تتحول السلطة من مشروع لبناء الدولة إلى مجرد منظومة لإدارة النفوذ والأزمات المؤقتة.
لقد دخل لبنان منذ سنوات طويلة في مرحلة “الانهيار الصامت”، حيث تآكلت المؤسسات تدريجياً، وتفككت الثقة بين المواطن والدولة، وانهارت الإدارة العامة، فيما استمرت الطبقة السياسية في التعامل مع البلاد بمنطق التسويات المرحلية لا بمنطق بناء الدولة الحديثة. ومع كل أزمة، كانت الحلول المؤقتة تؤجل الانفجار من دون معالجة الأسباب البنيوية الحقيقية، إلى أن وصل لبنان إلى لحظة تاريخية باتت تفرض سؤالاً أكثر عمقاً من مجرد تغيير الحكومات أو تعديل بعض القوانين.
هل ما زال النموذج اللبناني الحالي قابلاً للحياة؟
الحقيقة أن الأزمة اللبنانية ليست أزمة حكومة، بل أزمة غياب مشروع دولة. فمنذ انتهاء الحرب الأهلية، لم تنجح السلطة السياسية في إنتاج رؤية وطنية واضحة تعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، أو تؤسس لعقد اجتماعي حديث قائم على المواطنة والكفاءة وسيادة القانون.
وبدلاً من بناء مؤسسات مستقلة وفعّالة، جرى تكريس نظام يقوم على المحاصصة الطائفية وتقاسم النفوذ، حيث أصبحت الدولة مساحة لتوزيع الحصص والمصالح بدل أن تكون إطاراً جامعاً لإدارة المجتمع والاقتصاد والسيادة الوطنية.
وهنا يكمن الفارق الجوهري بين “إدارة بلد” و”بناء دولة”. فإدارة البلد قد تعني احتواء الأزمات وتأجيل الانهيارات، أما بناء الدولة فيعني تأسيس رؤية استراتيجية طويلة الأمد، وإنتاج مؤسسات مستقرة، وصناعة هوية وطنية مشتركة يشعر المواطن ضمنها بأنه ينتمي إلى وطن لا إلى طائفة أو حزب أو زعيم. لكن ما حدث في لبنان هو العكس تماماً. فكلما ضعفت الدولة، قويت البنى الطائفية والحزبية، وتحولت الهويات الفرعية إلى بديل عن الهوية الوطنية الجامعة.
لقد أثبتت العقود الماضية أن النموذج المركزي التقليدي في لبنان لم يعد قادراً على إدارة التعددية اللبنانية المعقدة، ولا على تحقيق تنمية متوازنة بين المناطق، ولا على منع الشلل السياسي والمؤسساتي المتكرر. فالسلطة المركزية تحولت مع الوقت إلى ساحة صراع دائم بين القوى الطائفية والحزبية، فيما بقيت المناطق اللبنانية رهينة التهميش أو الزبائنية السياسية أو النفوذ الحزبي.
من هنا، بدأ يبرز في السنوات الأخيرة نقاش جدي حول ضرورة الانتقال نحو نموذج سياسي وإداري جديد، يقوم على اللامركزية الموسعة أو حتى الفيدرالية، باعتبارها إحدى الأدوات الممكّنة لإعادة تنظيم الدولة اللبنانية وإنقاذها من الانهيار المستمر.
هذا الطرح لم يعد مجرد نقاش نظري أو سياسي هامشي، بل أصبح جزءاً من البحث عن صيغة جديدة تسمح بإدارة التنوّع اللبناني بطريقة أكثر استقراراً وفعالية. فالفيدرالية أو اللامركزية المتقدمة لا تعني بالضرورة تقسيم الدولة أو إضعافها كما يروّج البعض، بل قد تشكل إطاراً لإعادة بناء الثقة بين المكونات اللبنانية عبر توزيع أفضل للسلطات والموارد والمسؤوليات.
فالتجارب الدولية تقدم نماذج عديدة لدول نجحت في إدارة تنوعها المعقد من خلال أنظمة غير مركزية أو فيدرالية. ففي سويسرا، سمح النظام الفيدرالي بإدارة التعدد اللغوي والثقافي والديني ضمن دولة مستقرة وفعالة، حيث تمتلك الكانتونات صلاحيات واسعة ضمن إطار وطني موحد. وفي ألمانيا، ساهم النظام الفيدرالي في تعزيز التنمية المتوازنة وتقوية الإدارة المحلية بعد الحرب العالمية الثانية، ما ساعد على إعادة بناء الدولة الحديثة بشكل مستدام.
أما في كندا، فقد لعب النظام الفيدرالي دوراً أساسياً في احتواء التوترات الثقافية واللغوية، خصوصاً في مقاطعة كيبيك، عبر منح صلاحيات واسعة للإدارة المحلية ضمن إطار الدولة الواحدة. وحتى في دولة مثل الإمارات العربية المتحدة، ساهم النموذج الاتحادي في تحقيق توازن بين خصوصية الإمارات المختلفة وبين وحدة الدولة ومؤسساتها السيادية.
هذه النماذج لا تعني أن لبنان يستطيع استنساخ تجارب الآخرين حرفياً، لكنّها تؤكد أن الدول المتعددة الهويات تستطيع النجاح عندما تمتلك رؤية دستورية وإدارية مرنة قادرة على إدارة التنوع بدل تحويله إلى مصدر دائم للصراع والتعطيل.
لكن أي انتقال نحو نموذج سياسي جديد في لبنان يجب أن يكون جزءاً من مشروع وطني شامل، لا مجرد إعادة توزيع للنفوذ بين القوى السياسية والطائفية. فالهدف من اللامركزية أو الفيدرالية يجب أن يكون بناء دولة أكثر كفاءة وعدالة وفعالية، لا تكريس الانقسام أو إنتاج كانتونات سياسية جديدة.
وفي موازاة الإصلاح السياسي، يحتاج لبنان إلى إعادة بناء هويته الوطنية التي تعرضت لتفكك عميق خلال العقود الماضية. فإحدى أخطر نتائج النظام الطائفي كانت تحويل الولاءات المذهبية والحزبية إلى بديل عن مفهوم المواطنة. ولم تعد الدولة بالنسبة لكثير من اللبنانيين إطاراً جامعاً للحماية والانتماء، بل أصبحت كياناً هشاً فاقداً للثقة والشرعية، وخاصة في السياسة الدولية.
ولهذا، فإن إعادة بناء الدولة تبدأ أيضاً بإعادة بناء المواطن اللبناني نفسه، عبر إصلاح النظام التعليمي، وتعزيز التربية المدنية، وبناء ذاكرة وطنية مشتركة، وتطوير خطاب سياسي عابر للطوائف يعيد تعريف مفهوم الانتماء الوطني.
كذلك، لا يمكن لأي مشروع إنقاذ أن ينجح من دون استعادة العقد الاجتماعي بين المواطن والدولة. فالدولة اللبنانية فقدت شرعيتها تدريجياً عندما عجزت عن حماية أموال اللبنانيين، أو توفير الكهرباء، أو ضمان العدالة، أو إدارة الاقتصاد، أو فرض القانون. ومع انهيار الثقة، ظهرت أنظمة موازية للخدمات والحماية والاقتصاد، ما أدى إلى مزيد من إضعاف الدولة المركزية.
إن استعادة هذا العقد تتطلب بناء مؤسسات شفافة وفعالة تقوم على الكفاءة والمحاسبة وسيادة القانون، لا على الزبائنية والمحاصصة. فالدولة ليست شبكة مصالح سياسية، بل عقد ثقة بين المواطن والمؤسسات.
وفي الجانب الاقتصادي، لم يعد ممكناً إعادة إنتاج النموذج الريعي الذي حكم لبنان منذ التسعينيات. فالاقتصاد القائم على الاستدانة والمضاربات والخدمات والاستهلاك أثبت فشله الكامل. ولبنان يحتاج اليوم إلى رؤية اقتصادية جديدة تقوم على الإنتاج والصناعة والزراعة والتكنولوجيا واقتصاد المعرفة والبنية التحتية الحديثة.
كما يحتاج إلى إدارة سياسية حديثة قادرة على التخطيط الاستراتيجي وإدارة المخاطر واتخاذ القرارات بعيداً عن منطق التسويات الآنية. فالدول الحديثة لا تُدار بردات الفعل، بل بالرؤية والمؤسسات والحوكمة الفعالة.
لكن يبقى السؤال الأهم، من سيقود هذا التحوّل؟
الحقيقة أن بناء الدولة اللبنانية الجديدة لا يمكن أن يكون مشروع زعيم أو حزب أو حكومة واحدة. إنه مشروع وطني جامع يحتاج إلى شراكة بين الدولة والمجتمع المدني والجامعات والقطاع الخاص والاغتراب اللبناني والشباب اللبناني الذي ما زال يشكل الأمل الأخير لإنقاذ البلاد.
فلبنان، رغم كل الانهيار، لا يزال يمتلك طاقات بشرية وفكرية واقتصادية هائلة. لكن استمرار هجرة الشباب والكفاءات يهدد بتحويل الأزمة من انهيار مؤسساتي إلى انهيار وجودي طويل الأمد.
وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط كيف يمكن إصلاح النظام، بل كيف يمكن إعادة بناء فكرة الوطن نفسها.
لأن إنقاذ لبنان لا يبدأ بإصلاح حكومة أو تعديل قانون أو توقيع تسوية جديدة، بل يبدأ بإنتاج رؤية وطنية متقدمة تعيد تعريف الدولة، وتبني عقداً اجتماعياً جديداً، وتؤسس لنظام سياسي وإداري قادر على إدارة التنوع اللبناني ضمن دولة عادلة وقابلة للحياة.
وإلا، فإن لبنان سيبقى عالقاً بين دولة عاجزة ومجتمع منهك وانهيار مفتوح على المجهول.
فالدول لا تنهار فقط عندما تسقط مؤسساتها، بل عندما تفقد القدرة على تخيل مستقبل مشترك لمواطنيها.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير