في ذكرى التحرير : ماذا ربحنا؟ وماذا خسرنا؟

بقلم محمد قاسم قصب – خاص بوابة بيروت

في ذكرى تحرير جنوب لبنان، لا يكفي أن نستعيد صور الانتصارات القديمة بينما الوطن كلّه ينهار أمام أعيننا. فالتحرير الحقيقي لا يُقاس بلحظة انسحاب دبابة أو برفع راية فوق موقع حدودي، بل بما وصل إليه البلد بعد سنوات من الدم والوعود التي تحوّلت إلى كوابيس.

منذ عام 2000، قُدِّم التحرير للبنانيّين لا كمحطّة نهاية حرب فقط، بل كبداية مشروع دولة. قيل لنا إنّ الطريق باتت مفتوحة، وإنّ مزارع شبعا وتلال كفرشوبا هي العنوان القادم. كبرت الشعارات، وكبر معها السلاح، وكبرت الوصاية على الدولة، حتى باتت الدولة نفسها رهينة مشاريع إقليمية تتجاوز لبنان واللبنانيّين، وفي مقدّمتها الانخراط في الساحة السورية وما رافقه من تداعيات وانقسام عميق.

لكن ما حدث فعليًّا هو أنّ الدولة تراجعت خطوة بعد خطوة. ومنذ اغتيال الشهيد رفيق الحريري وحتى اليوم، يرى كثير من اللبنانيّين أنّ معظم من استلم زمام الدولة، بدرجات متفاوتة، ساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في إيصال لبنان إلى ما وصل إليه. بعضهم شارك بالفعل، وبعضهم غطّى، وبعضهم صمت، وبعضهم قدّم مصالحه السياسية أو ارتباطاته الخارجية على حساب الدولة ومؤسساتها. فتحوّل الفساد من استثناء إلى ثقافة يومية داخل المؤسسات، وتحولت الدولة إلى مزرعة، والخدمة العامة إلى وسيلة إذلال، والمواطن إلى رهينة لطوابير المحسوبيات والانهيار.

وعلى المستوى الطائفي، جرى تدمير التوازن الداخلي بشكل ممنهج. شعر قطاع واسع من المكوّن السني، الذي كان تاريخيًّا أحد أعمدة التوازن اللبناني، بأنّه يتعرّض لتهميش سياسي متدرّج، وضغط مستمر على تمثيله ودوره، وحصار أمني وسياسي جعل كثيرين يخافون التعبير عن آرائهم دون خوف من التخوين أو الملاحقة. وتحولت الملفات الأمنية إلى أدوات ضغط يومية، وكأنّ المطلوب كسر أي قدرة على الاعتراض أو إعادة التوازن.

وقد أفضى ذلك إلى تفكك المشهد السياسي داخل هذه البيئة، وفتح الباب أمام أصوات تفتقد إلى العمق الوطني، وتعيش على الخطاب العالي لا على مشروع دولة فعلي.

ثم جاءت الجريمة الكبرى، سرقة أموال الناس وودائعهم. تبخّرت أعمار اللبنانيّين ومدّخراتهم، لا فقط بسبب الفشل المالي، بل أيضًا نتيجة سياسات مافيوية ممنهجة أوصلت الناس إلى العجز والخوف والانهيار. فالشعب المنشغل بلقمة عيشه لا يملك طاقة مواجهة من دمّره. وهكذا تآكلت المؤسسات من الداخل، وفقدت الدولة قدرتها على حماية مواطنيها أو حتى حماية نفسها.

ثم جاءت حرب الإسناد لتكمل ما تبقّى من خراب. قرى دُمِّرت، وعائلات تشرّدت، ومئات الآلاف باتوا بلا مأوى ولا مستقبل واضح. جنوب لبنان الذي قيل إنّه تحرّر، تحوّل إلى أرض محروقة، بينما بقيت الدولة في موقع المتفرّج العاجز، والناس تُركت لمصيرها بين الدمار والخوف.

واليوم، يتصاعد الحديث عن “السلام” و”التفاوض” و”التسويات”.

لكن أي سلام هذا؟ مع من؟ وعلى أي أساس؟

هل هو سلام دولة مستقلة تحفظ حقوقها، أم إدارة استسلام تدريجي تحت ضغط الواقع العسكري؟

لأنّ كل “وقف إطلاق نار” حتى الآن لم يتحوّل إلى استقرار حقيقي، وكل تسوية لم تُنتج سيادة فعلية، وكل تهدئة لم تكن سوى مرحلة بين جولات أعمق من الانفجار.

نحن لا نريد إيران، ولا نريد أن يتحوّل لبنان إلى منصّة لمشاريعها وحروبها. لكن رفض الهيمنة الإيرانية لا يعني القبول بالهيمنة الإسرائيلية. ورفض سلاح الداخل لا يعني التصفيق لاستسلام الخارج. لسنا مستعدّين أن نستبدل وصايةً بوصاية، ولا احتلالًا باحتلال، ولا مشروعًا مذهبيًّا بمشروع تطبيعي يبتلع ما تبقّى من هوية لبنان وسيادته. لبنان ليس محكومًا بأن يكون ساحةً للآخرين.

حتى الإعلام، الذي كان يُفترض أن يكون سلطة رقابة ومحاسبة، سقط هو الآخر.

إعلام بلا سيادة

إعلام موجّه بأجندات خارجية وتمويل خارجي وخطابات تُفصّل بحسب مصالح السفارات والمحاور.

إعلام يسوّق الهزيمة على أنّها حكمة، والاستسلام على أنّه شجاعة، والتطبيع على أنّه مستقبل.

إحصاءات موجّهة. استطلاعات ملغومة.

وتخويف يومي للبنانيّين من أي صوت يرفض الاستسلام أو يرفض تحويل “إسرائيل” إلى أمر طبيعي في المنطقة.

الصورة الوطنية اليوم قاسية، دولة منهارة اقتصاديًّا، مجتمع مثقل بالهجرة واليأس، شباب يرى المستقبل خارج الحدود لا داخلها. دمّروا مفهوم الدولة ثم جلسوا يبكون على انهيارها. قسموا اللبنانيّين ثم ادّعوا الحرص على الوحدة. ربطوا لبنان بالخارج ثم تحدّثوا عن السيادة.

لبنان اليوم ليس أمام خلاف سياسي عابر، بل أمام لحظة إعادة تعريف وجوده.

إمّا دولة تُستعاد بقرار سيادي حقيقي، ومحاسبة فعلية، وإصلاح جذري، وتوازن داخلي عادل، وإمّا استمرار في مسار التفكك حيث تُستبدل السيادة بشعارات متناقضة وتُدار البلاد كمناطق نفوذ لا كدولة مستقلة.

نحن، وخصوصًا نحن السنّة، لسنا أدوات لإيران، ولم نكن يومًا جنودًا في مشروعها.

لكننا أيضًا لسنا مستعدّين أن نُدفع نحو استسلام مذلّ تحت عنوان “السلام”.

لسنا مستعدّين أن يُفرض علينا خيار بين التبعية لطهران أو الارتماء في أحضان تل أبيب، وكأنّ لبنان محكوم دائمًا بأن يكون ساحةً للآخرين لا وطنًا لأبنائه.

لقد دمّروا مفهوم الدولة، ثم جلسوا يبكون على انهيارها.

قسّموا اللبنانيّين، ثم ادّعوا الحرص على الوحدة.

سلّحوا الانقسام، ثم حذّروا من الحرب الأهلية.

ربطوا لبنان بالخارج، ثم تحدّثوا عن السيادة.

والنتيجة اليوم، وطن مكسور. شعب منهك.

شباب مهاجر أو محبط أو ينتظر دوره في طابور الانهيار.

ودولة لم تعد قادرة حتى على حماية معنى الوطن.

هل أصبحت السيادة أن نشرب البيرة في حانة في تل أبيب؟

هل هذا هو الحلم الذي يريدون بيعه للبنانيّين بعد عقود من الدم؟

هل اختُزلت الكرامة الوطنية بصورة سائح لبناني على شاطئ حيفا بينما قبور الضحايا لم تجف بعد؟

في ذكرى التحرير، يجب أن نمتلك الجرأة لنسأل السؤال الحقيقي، هل حرّرنا الجنوب فعلًا… أم انتقلنا من احتلال ظاهر إلى انهيار شامل؟

وهل ما يُحضَّر للبنان اليوم هو سلام عادل يحفظ الكرامة والسيادة… أم وثيقة استسلام طويلة الأمد تُكتب على أنقاض وطن؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك