في أيار عام 2000 : ارتفعت الرايات وسقطت الأسئلة
بقلم د.بلال عدنان علامة – خاص بوابة بيروت
في أيار من عام 2000، بدا الجنوب اللبناني كأنّه ينهض من تحت الرماد. القرى التي عاشت سنوات طويلة تحت ظلّ الاحتلال الاسرائيلي فتحت أبوابها دفعة واحدة، والناس عادوا إلى بيوتهم كما يعود المنفيّ إلى ذاكرته. كان المشهد أكبر من انتصار عسكري؛ كان أشبه بوعد جماعي بأن زمن الخوف انتهى، وأن لبنان أخيرًا وجد طريقه إلى الحرية.
في تلك الأيام، اعتقد اللبنانيون أنّ الأرض حين تتحرر، يتحرر معها الإنسان تلقائيًا. ظنّوا أن الطرق التي فُتحت نحو الجنوب ستقود أيضًا إلى دولة حقيقية، إلى وطن يشبه أحلام الذين تعبوا من الحروب والانتظار. لكن السنوات مرّت سريعًا، واكتشف اللبناني أنّ الأرض قد تتحرر فعلًا، بينما يبقى الإنسان عالقًا داخل أسوار أخرى لا تُرى.
فالاحتلال الذي خرج من الحدود عاد بأشكال مختلفة إلى الداخل. عاد عبر الطائفية التي مزّقت الناس إلى جماعات خائفة من بعضها البعض، وعبر الأحزاب التي حوّلت المواطن إلى تابع، وعبر السلاح الذي بقي أقوى من الدولة، وأقوى أحيانًا من فكرة الوطن نفسها. شيئًا فشيئًا، لم يعد اللبناني يعيش داخل وطن واحد، بل داخل خرائط صغيرة من الولاءات والانقسامات والمصالح.
كان يفترض أن يكون التحرير بداية لبناء الإنسان، لكن الإنسان تُرك وحيدًا في مواجهة أمراء الطوائف والزعامات والمليشيات. صار مطلوبًا منه أن يصفّق للحزب قبل أن يسأل عن حقوقه، وأن يخاف من الآخر أكثر مما يخاف على وطنه. وهكذا، تحوّل الانتصار الكبير إلى بلد صغير يتآكله الانقسام من الداخل.
ثم جاءت السنوات الثقيلة؛ انهيار اقتصادي، هجرة جماعية، خوف دائم، وحروب عادت لتأكل الجنوب نفسه. وكأنّ التاريخ يعيد سؤاله القاسي على اللبنانيين: كيف يعود الاحتلال إلى أرض تحررت؟ وكيف يتحول النصر إلى هشاشة بهذا الشكل؟
الجواب ربما كان واضحًا منذ البداية: لأن الإنسان لم يتحرر يومًا. بقي سجين المصالح الحزبية، وسجين الطوائف التي أقنعته أن نجاته تكون بالانتماء إليها لا بالانتماء إلى الوطن. وحين يبقى الإنسان أسيرًا، يصبح أي تحرير مؤقتًا، وأي انتصار قابلًا للانكسار.
في لبنان، لم تكن المأساة يومًا في خسارة الأرض فقط، بل في خسارة الإنسان نفسه. فالحرية ليست علمًا يُرفع فوق الحدود، ولا خطابًا يُلقى في ساحات الاحتفال. الحرية الحقيقية أن يشعر المواطن أنّه يعيش في وطن لا في معسكر، وأن كرامته محفوظة بالقانون لا بالزعيم، وأن مستقبله لا يُحدَّد وفق مصلحة حزب أو طائفة.
ولهذا، بعد كل هذه السنوات، يبدو السؤال اللبناني أكبر من الحرب وأكبر من السياسة, هل يمكن لوطن أن يبقى محررًا… إذا كان أبناؤه ما زالوا أسرى؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير