لبنان الحقيقي
بقلم الباحث إيلي الورد – خاص بوابة بيروت
نعم هذا ما لمسته . لم يكن النزوح هذه المرة انتقال عائلات من منطقة الى منطقة ، بل كان وجع وطن كامل يسير على الطرقات حاملاً أطفاله وذكرياته وخوفه ودموعه.
كانت الأمهات تحمل أبناءها بقلق، والآباء يخفون خوفهم خلف صمتٍ موجع، فيما بقيت البيوت في الجنوب تنتظر أصحابها تحت أصوات الحرب والغارات.
لكن وسط هذا الألم الكبير، ظهر لبنان الحقيقي… لبنان القلب والمحبة والناس الطيبين.
فما إن وصلت العائلات النازحة إلى المناطق اللبنانية، حتى فُتحت الأبواب قبل أن تُطرق، وامتدت الأيدي قبل أن يُطلب منها شيء.
شعر اللبناني أنّ النازح ليس غريبًا عنه، بل هو أخوه وابن وطنه وشريكه في الخوف والتعب والمصير.
كم من أمّ لبنانية استقبلت عائلة نازحة كما تستقبل أبناءها، وكم من بيت اقتسم غرفه وخبزه ومائدته بمحبة وكرامة.
لم يسأل الناس عن الانتماء ولا عن الهوية السياسية، بل سألوا فقط: “هل تحتاجون شيئاً؟ هل أكل الأطفال؟ هل تنقصكم الأغطية أو الدواء؟” نعم هذا ما لمسته. هذا هو لبنان الذي نريده.
في تلك اللحظات، سقطت كل الحواجز وبقيت الإنسانية وحدها تتكلم.
رأينا شبابًا يسهرون لنقل المساعدات، ونساءً يطبخن بمحبة كأنهن يطعمن أبناءهن، وأطفالاً يركضون نحو الأطفال النازحين ليمنحوهم لعبة أو ابتسامة تنسيهم أصوات الطائرات والخوف.
أما أبناء الجنوب، فقد دخل هذا الحب إلى قلوبهم بعمق لا يوصف. شعروا أنّهم ليسوا وحدهم، وأنّ لبنان، رغم أوجاعه، ما زال قادرًا أن يحتضن أبناءه .
كثيرون بكت عيونهم من شدة التأثر بهذه المحبة الصادقة التي أحاطتهم من كل المناطق اللبنانية.
والجنوبي بطبعه لا ينسى المعروف.
سيبقى يتذكر كل بيت فتح بابه، وكل يد امتدت له، وكل إنسان خفف عنه مرارة النزوح.
وسيأتي يوم يعود فيه إلى أرضه وبيته، لكنه سيحمل معه محبة كبيرةً للبنانيين الذين وقفوا إلى جانبه، وسيبقى هذا الجميل محفورًا في القلب قبل الذاكرة.
لقد أثبت اللبناني أنّه، مهما تعب وانكسر وتألم، يبقى إنساناً يشبه الرحمة. ففي وقت الحرب، لم يجتمع اللبنانيون حول السياسة، بل اجتمعوا حول الإنسان.
وهذا ربما أجمل ما بقي في هذا الوطن…أن اللبناني، حين يرى أخاه متألّمًا، ينسى كل شيء ويقترب منه بقلبه وفكره ووجدانه. هذا هو لبنان الحقيقي الذي نريد.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير