رسالة من سجلات وطن لم يولد بعد

الرؤية التي لم يبوح بها نوستراداموس

خاص بوابة بيروت

استيقظتُ هذا الصباح على مشهدٍ لم أكن أتصوّر أنني سأراه يوماً. في البداية ظننت أنني ما زلت أحلم، أو ربما أنني دخلت بالخطأ إلى رواية من الخيال السياسي. لكن بعد أن احتسيت قهوتي وراجعت الأخبار، أدركت أن الأمر أخطر من مجرد حلم.

ففي عام 2050، أصدرت الأمم المتحدة تقريراً غير مسبوق بعنوان: “لبنان … الدولة التي نجحت في كل شيء”. وقد أثار التقرير موجة من الشكوك العالمية، ليس لأن محتواه صادم، بل لأن معظم دول العالم اعتقدت في البداية أنه عمل أدبي من نوع الخيال العلمي. بعض الخبراء ظنوا أنه رواية ساخرة، بينما اعتبره آخرون محاولة جريئة لإعادة تعريف مفهوم المستحيل في العلوم السياسية.

أما أنا، فقد قررت أن أكون شفافاً، لأروي لكم ما رأيته هذا الصباح في ذلك لبنان الغريب؛ لبنان الذي ارتكب، لسببٍ مجهول، خطأً تاريخياً وتحوّل أخيراً إلى دولة طبيعية. فمن كان ليتخيل أن لبنان، ذلك البلد الذي أمضى عقوداً طويلة في إدارة أزماته أكثر من إدارة دولته، سيتحوّل فجأة إلى نموذج عالمي للحكم الرشيد والاستقرار والسيادة؟

في لبنان الجديد، أصبحت كلمة “سيادة” مصطلحاً عملياً لا شعاراً موسمياً يُستخرج عند الحاجة السياسية ثم يُعاد إلى الأرشيف. الحدود مصانة، والقرار الوطني مستقل، والعلاقات الخارجية تُبنى على المصالح الوطنية لا على حسابات الوكلاء والوسطاء والمترجمين السياسيين.

أما الطبقة السياسية، فقد أصبحت مادة تدرّس في الجامعات العالمية بإسم “لبنان” باعتبارها أعجوبة بشرية نادرة. فالمسؤولون اللبنانيون باتوا يدخلون الحياة العامة لخدمة الوطن لا لخدمة الورثة والأصهار والأقارب والشركاء والمحاسيب. وقد أعلنت منظمة الشفافية الدولية إغلاق فرعها الخاص بلبنان بعد سنوات من عدم العثور على أي قضية فساد تستحق المتابعة.

ويُقال إن آخر موظف حاول طلب رشوة عام 2041 تم نقله مباشرة إلى متحف التاريخ الوطني باعتباره آخر نموذج معروف لكائن انقرض من البيئة اللبنانية.

أما المؤسسات العامة، فقد تحوّلت إلى مؤسسات حقيقية. نعم، مؤسسات تعمل. مجرد كتابة هذه الجملة ما زالت تثير الدهشة لدى كثير من اللبنانيين المقيمين في الخارج. المعاملات تُنجز إلكترونياً، والقرارات تُتخذ وفق خطط استراتيجية، والمسؤوليات تُوزع على أساس الكفاءة لا على أساس الانتماء الطائفي أو الحزبي أو العائلي أو الجغرافي أو الفلكي.

وفي خطوة أثارت حيرة المؤرخين، اكتشف طلاب المدارس أن كتب التاريخ اللبنانية لا تحتوي على فصل بعنوان “الحرب الأهلية”. فقد تمكّن اللبنانيون، في هذا المستقبل العجيب، من بناء وطن قبل بناء المتاريس، وصياغة عقد اجتماعي قبل صياغة خطوط التماس.

لقد أصبح اللبناني يُعرّف نفسه أولاً كمواطن لبناني، وبفخر، ثم يضيف ما يشاء من انتماءات ثقافية أو دينية أو مناطقية. واختفت العبارة الشهيرة: “نحن نعيش معاً رغم اختلافاتنا”، لأن الاختلافات لم تعد مشكلة تستوجب التذكير بها، بل أصبحت مصدر قوة وإبداع وتنوّع.

وفي المجال الإعلامي، وقعت معجزة أخرى.

فقد أصبح الإعلام سلطة رابعة بالفعل، لا فرعاً إضافياً للعلاقات العامة السياسية. الصحفيون يراقبون السلطة بدلاً من العمل لديها، والقنوات التلفزيونية تستضيف الخبراء بدلاً من الصراخ المتبادل، والبرامج السياسية تناقش السياسات العامة أكثر مما تناقش المؤامرات الكونية التي تبدأ في المريخ وتنتهي في بيروت.

أما حرية التعبير، فقد بلغت مستوى جعل المواطن ينتقد الحكومة صباحاً ثم يحصل على خدمة حكومية محترمة بعد الظهر، دون أن يُتهم بالعمالة أو التخريب أو استهداف السلم الأهلي أو التأثير على دوران الأرض حول الشمس.

اقتصادياً، شهد لبنان تحوّلاً أكثر غرابة من كل ما سبق.

فالليرة اللبنانية أصبحت عملة مستقرة إلى درجة أن بعض المواطنين احتفظوا بها في منازلهم بدلاً من الاحتفاظ بالدولار. وقد أُدرج هذا السلوك في البداية ضمن الحالات النفسية النادرة قبل أن يتبين أنه أصبح أمراً طبيعياً.

والاقتصاد الوطني بات قائماً على الإنتاج والابتكار والتكنولوجيا والصناعات المتقدمة، لا على تصدير العقول واستيراد الأزمات. وأصبحت الهجرة خياراً مهنياً لا ضرورة وجودية. والأكثر غرابة أن المستثمرين الأجانب بدأوا يتدفقون إلى لبنان بحثاً عن الفرص، لا بحثاً عن الصفقات المشبوهة أو الامتيازات الخاصة.

وقد أثار هذا التطوّر حالة من الذهول لدى بعض اللبنانيين الذين لم يعتادوا رؤية رؤوس الأموال الأجنبية تدخل البلاد من أجل الاستثمار الفعلي في المصانع والتكنولوجيا والبنية التحتية، بدلاً من المضاربة أو انتظار الانهيار التالي. وتشير بعض الروايات إلى أن عدداً من المستثمرين الدوليين احتاجوا إلى جلسات طمأنة مطوّلة قبل أن يقتنعوا بأن الاستقرار اللبناني لم يكن مجرد شائعة أو خطأ في البيانات الاقتصادية.

أما الدبلوماسية اللبنانية، فقد تحوّلت إلى نموذج عالمي في التوازن والحكمة. علاقات ممتازة مع الجميع، لا تبعية لأحد، ولا عداء مع أحد. لبنان يتحدث مع العالم من موقع الشريك لا من موقع المستجدي، ومن موقع الدولة لا من موقع الساحة.

وعندما سُئل أحد المؤرخين عن سر هذا التحوّل العظيم، أجاب بابتسامة ساخرة: الأمر بسيط جداً. توقف اللبنانيون عن انتظار المنقذ الخارجي، وقرروا بناء دولة حقيقية. فأدمعت عيناي.

لكن لا داعي للقلق.

فهذا كله ما زال مجرد سيناريو افتراضي كتبه الخيال السياسي المتفائل. فلبنان 2050، كما تصفه هذه المقالة، ليس دولة موجودة حتى الآن، بل هو الدولة التي حلم بها اللبنانيون طويلاً، وتجادلوا حولها كثيراً، وتأخروا في بنائها أكثر مما ينبغي.

إنه لبنان الذي كان يمكن أن يكون. لبنان الذي لم نعرفه يوماً، لكننا لم نتوقف أبداً عن الرغبة في لقائه.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك