ننتظر الأزمات ولا نصنع النفوذ

كيف للبنان استعادة مكانته في السياسة الخارجية؟

خاص بوابة بيروت

في لحظةٍ يعاد فيها رسم خرائط النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط، لم يعد السؤال المطروح كيف يدير لبنان علاقاته الخارجية، بل كيف يستطيع أن يستعيد موقعه كدولة قادرة على التأثير في محيطها، لا مجرد التكيّف مع متغيراته. فالسياسة الخارجية ليست سلسلة من الزيارات الرسمية، ولا بيانات دبلوماسية، ولا مشاركات في المؤتمرات الدولية، بل هي انعكاس مباشر لقوة الدولة اللبنانية في الداخل، وقدرتها على اتخاذ القرار وتنفيذه، وامتلاك رؤية وطنية واضحة لمصالحها الاستراتيجية.

وفي هذا السياق، لا يحتمل لبنان المزيد من التموضع داخل المحاور الإقليمية. المطلوب اليوم هو فصلٌ كامل ونهائي للدولة اللبنانية ومؤسساتها العسكرية والأمنية عن أي اصطفاف إقليمي، وتكريس مبدأ الحياد والسيادة والمصلحة الوطنية فقط. إن أي رسالة ملتبسة في هذا الظرف الدقيق قد تكون كلفتها باهظة على لبنان واللبنانيين، لأنها تُضعف موقع الدولة، وتستنزف قدرتها على بناء سياسة خارجية مستقلة وموثوقة.

لقد اعتاد لبنان، على مدى عقود، إدارة سياسته الخارجية بمنطق إدارة الأزمات. ومع كل استحقاق داخلي أو تطوّر إقليمي، تتحرك الدبلوماسية اللبنانية في إطار ردود الفعل أكثر مما تبادر إلى صناعة الفرص.

وبينما كانت دول المنطقة تعيد تعريف أدوارها الاقتصادية والأمنية والسياسية، بقي لبنان أسيراً للتجاذبات الداخلية التي انعكست بصورة مباشرة على حضوره الخارجي.

السياسة الخارجية تبدأ من الداخل

لا يمكن للدولة اللبنانية أن تمتلك سياسة خارجية مؤثرة إذا لم تمتلك أولاً مؤسسات قوية، واقتصاداً مستقراً، وقراراً سيادياً موحداً. فالنفوذ الخارجي ليس نتاج الخطاب السياسي، بل نتيجة مباشرة لقدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها، واحترام تعهداتها، وإقناع شركائها بأنها تمتلك مؤسسات قادرة على الاستمرار بغض النظر عن تغيّر الحكومات. ما يعني هنا دولة المؤسسات، وليس دولة المحاصصات والمزاجية في السياسة الخارجية. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام لبنان لا يتمثل في إعادة صياغة خطابه الدبلوماسي، بل في إعادة بناء الدولة التي تمنح هذا الخطاب صدقيته.

الأزمة ليست في الدبلوماسيين… بل في غياب الرؤية

من الخطأ اختزال أزمة السياسة الخارجية اللبنانية في نقص الخبرة أو الكفاءات. فالمدرسة الدبلوماسية اللبنانية خرّجت على مدى عقود دبلوماسيين محترفين يحظون باحترام كبير في المحافل الدولية. لكن المشكلة الحقيقية تُكمن في غياب رؤية وطنية موحّدة تحدد المصالح العليا للدولة، وفي تعدد المرجعيات التي تتداخل في صناعة القرار الخارجي، بحيث أصبحت السياسة الخارجية اللبنانية، في كثير من الأحيان، انعكاساً للتوازنات السياسية الداخلية أكثر منها تعبيراً عن استراتيجية وطنية طويلة الأمد.

وفي الدول الناجحة، تتغير الحكومات بينما تبقى المصالح الوطنية ثابتة. أما في لبنان، فكثيراً ما تتغير أولويات السياسة الخارجية مع تغيّر موازين القوى الداخلية، الأمر الذي يضعف ثقة المجتمع الدولي باستمرارية المواقف اللبنانية.

من الدبلوماسية التفاعلية إلى الدبلوماسية الاستباقية

إحدى أبرز نقاط الضعف في السياسة الخارجية اللبنانية على مدى عقود هي اعتمادها على إدارة الأزمات بدلاً من استباقها. فالتحركات الدبلوماسية غالباً ما تأتي استجابةً لضغوط أو تطورات أمنية أو اقتصادية، بينما تغيب المبادرات التي تضع لبنان في موقع الشريك المؤثر في صناعة الحلول.

وقد كلّف هذا النهج لبنان خسارة فرص استثمارية، وتراجع حضوره في الملفات الإقليمية، وانكماش دوره التقليدي كمنصة للحوار العربي والدولي. فدولة مثل لبنان لا يجب أن تبني مكانتها بحجم جيشها، بل بقدرتها على تقديم قيمة مضافة للنظام الدولي، سواء في الوساطة السياسية، أو الاقتصاد، أو الثقافة، أو الابتكار، أو التعليم، أو الدبلوماسية الإنسانية.

اتفاق وقف إطلاق النار … اختبار للمؤسسات

لقد شكّل اتفاق وقف إطلاق النار الأخير بين لبنان وإسرائيل اختباراً مهماً لقدرة الدولة اللبنانية على إدارة استحقاق أمني ودبلوماسي بالغ الحساسية. فمن الناحية الإيجابية، أسهم الاتفاق في الحد من التصعيد العسكري، وفتح نافذة مبدئية لإعادة الاستقرار إلى الجنوب، كما أعاد التأكيد على أهمية دور الجيش اللبناني، والقرار 1701، والتعاون مع المجتمع الدولي في حماية الاستقرار.

غير أن الاتفاق كشف أيضاً عن تحدٍ مؤسسي أعمق. فنجاح أي تفاهم دولي لا يقاس فقط بالتوصّل إليه، بل بقدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها بصورة متماسكة ومستدامة. وقد أظهرت هذه المرحلة أن المجتمع الدولي لا يزال مستعداً لدعم استقرار لبنان، لكنه ينتظر في المقابل شريكاً مؤسسياً يمتلك وضوحاً في القرار، ووحدة في المرجعية، وقدرة فعلية على التنفيذ.

حوكمة السياسة الخارجية

إن إدارة السياسة الخارجية هي علماً مؤسسياً قائماً بذاته، يقوم على التخطيط الاستراتيجي، وتمكين سياسة الدولة ورؤيتها، وإدارة المخاطر، والتنسيق بين المؤسسات، وقياس الأداء، وتقييم النتائج. أما في لبنان، فما تزال السياسة الخارجية تُدار في كثير من الأحيان بصورة مجزأة، تتوزّع بين الرئاسات الثلاث والوزارات والأجهزة المختلفة، من دون وجود مركز وطني موحّد يحدد الأولويات الاستراتيجية للدولة.

ولذلك، فإن إنشاء مجلس أمن قومي لبناني، يضم المؤسسات الدستورية والأمنية والدبلوماسية والاقتصادية، إلى جانب خبراء مستقلين، لم يعد ترفاً إدارياً، بل أصبح ضرورة وطنية لضمان وحدة القرار في القضايا المصيرية.

استعادة الثقة الدولية قبل استعادة النفوذ

إن النفوذ لا يُطلب، بل يُكتسب. ولا يمكن للبنان أن يستعيد مكانته الإقليمية ما لم يستعد أولاً ثقة شركائه. وهذه الثقة لا تُبنى عبر التصريحات، بل عبر تنفيذ الإصلاحات، واحترام الالتزامات الدولية، واستقلالية القضاء، واستقرار التشريعات، وتوحيد الرسائل السياسية والدبلوماسية.

فالمستثمر يبحث عن دولة مستقرة، والدبلوماسي يبحث عن شريك موثوق، والمجتمع الدولي يبحث عن مؤسسات قادرة على تنفيذ ما تتعهد به.

الدبلوماسية الاقتصادية… الفرصة الضائعة

لقد آن الأوان لأن تتحوّل السفارات اللبنانية من مراكز للعلاقات البروتوكولية إلى منصات لجذب الاستثمار، والتكنولوجيا، والابتكار، والأسواق الجديدة. كما ينبغي أن تتحوّل الجاليات اللبنانية المنتشرة في العالم من مصدر للتحويلات المالية إلى شبكة استراتيجية لنقل المعرفة، وفتح الأسواق، وتعزيز النفوذ الاقتصادي والسياسي للبنان.

ولتحقيق ذلك، يصبح من الضروري إنشاء مجلس وطني، يضم أصحاب الكفاءات والخبرات العالمية، ويعمل كشريك استراتيجي للدولة في رسم سياساتها الاقتصادية والخارجية.

رؤية لبنان 2040 للعلاقات الدولية

إن ما يحتاجه لبنان اليوم ليس وثيقة سياسية جديدة، بل مشروعاً وطنياً طويل المدى يحدد موقعه في الشرق الأوسط الجديد. رؤية تمتد إلى عام 2040، وتجيب عن أسئلة جوهرية: ما الدور الذي يريد لبنان أن يلعبه؟ وما هي شراكاته الاستراتيجية؟ وكيف يوظّف موقعه الجغرافي وانتشاره العالمي ورأسماله البشري؟ وكيف يعيد بناء صورته كدولة منتجة للأفكار، والتعليم، والثقافة، والخدمات، والوساطة؟ لا كساحة دائمة للأزمات.

إن مثل هذه الرؤية يجب أن تصبح مرجعاً وطنياً يضمن استمرارية السياسة الخارجية بغض النظر عن تغيّر الحكومات.

من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل

سبق وكتبت، إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الحكومة اللبنانية اليوم ليس إدارة الأزمة التالية، بل بناء الدولة التي تمنع تكرار الأزمات. فالسياسة الخارجية ليست بديلاً عن الإصلاح الداخلي، بل هي ثمرة له. وعندما تصبح الدولة أكثر قدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه، وأكثر نجاحاً في إصلاح اقتصادها، وتعزيز مؤسساتها، وتوحيد رؤيتها الوطنية، ستتحوّل سياستها الخارجية تلقائياً من دبلوماسية ردود الأفعال إلى دبلوماسية المبادرات، ومن البحث عن الدعم إلى بناء الشراكات، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة النفوذ.

لقد أثبت التاريخ أن لبنان، رغم صغر مساحته، كان دائماً أكبر من جغرافيته عندما امتلك مؤسسات قوية، واقتصاداً حراً، ، ورؤية وطنية واضحة، ودبلوماسية محترفة أمثال الوزراء فؤاد بطرس وفيليب تقلا وشارل مالك. واليوم، وفي ظل التحوّلات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط، تملك الحكومة اللبنانية فرصة تاريخية لإطلاق مرحلة جديدة، لا تقوم على إعادة إنتاج السياسات السابقة، بل على بناء دولة حديثة تمتلك قرارها، وتحظى بثقة مواطنيها، وتستعيد مكانتها الطبيعية في محيطها العربي وعلى الساحة الدولية.

فالمستقبل اللبناني لن يكون بالاكتفاء في إدارة الأزمات، بل بامتلاك الشجاعة لصناعة مستقبل لبنان.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك