الاستثمار٣ لا يأتي بالمؤتمرات… بل بالدول التي تَبني

خاص بوابة بيروت

في كل مناسبة تقريباً، يخرج المسؤولون في لبنان ليعلنوا أن “لبنان استعاد ثقة المجتمع الدولي”، أو أن “الاهتمام الدولي بلبنان يتزايد”، أو أن “مئات المستثمرين شاركوا في المنتدى الاستثماري”، وكأن عدد الحاضرين في قاعة مؤتمر أصبح مؤشراً على نجاح السياسة الاقتصادية، أو دليلاً على بدء مرحلة التعافي.

لكن السؤال الذي لم يعد أحد يطرحه هو: هل تُقاس الاستثمارات بعدد المشاركين في المؤتمرات، أم بعدد المشاريع التي بدأت فعلاً، وعدد الوظائف التي خُلقت، وحجم رؤوس الأموال التي دخلت الاقتصاد، ونسبة النمو التي تحققت؟

هناك فرقٌ هائل بين أن يحضر مستثمر للاستماع إلى عرض تقديمي، وبين أن يوقّع اتفاقية استثمار بمئات ملايين الدولارات، ويبدأ بتنفيذ مشروع طويل الأمد داخل الدولة. فالاستثمار ليس مؤتمراً، والاقتصاد ليس حملة إعلامية، والثقة ليست تصريحاً صحفياً.

إن ما تقوم به بعض الجهات الاقتصادية اليوم من تنظيم منتديات استثمارية، أو عقد جلسات إلكترونية تحت عنوان “الدبلوماسية الاقتصادية” مع السلك الدبلوماسي اللبناني حول العالم، قد يكون نشاطاً مشروعاً ضمن أدوات العمل الحكومي، لكنه يصبح بلا قيمة استراتيجية عندما يُقدَّم وكأنه إنجاز اقتصادي بحد ذاته، فيما الاقتصاد الوطني لا يزال يعيش إحدى أسوأ أزماته في التاريخ الحديث.

فالدبلوماسية الاقتصادية ليست بديلاً عن الاقتصاد. بل هي أداة لتسويق اقتصاد ناجح، وليس لصناعة اقتصاد منهار.

كيف يمكن لدبلوماسي في إحدى العواصم العالمية أن يقنع شركة عالمية بالاستثمار في لبنان، بينما المستثمر يستطيع خلال دقائق أن يطّلع على تقارير المؤسسات الدولية التي تتحدث عن انهيار النظام المالي، وتعثر الإصلاحات، وغياب الحوكمة، وضعف الإدارة العامة، واستمرار المخاطر السياسية والقضائية؟

الدبلوماسية الاقتصادية لا تستطيع أن تُخفي الواقع. بل إن فعاليتها تبدأ عندما يصبح لدى الدولة ما يستحق التسويق. فالدول لا تصدّر الوعود، بل تصدّر قصص النجاح. ولننظر إلى التجارب العالمية.

عندما اجتذبت أيرلندا كبريات شركات التكنولوجيا العالمية، لم تبدأ بالمؤتمرات، بل بدأت بإصلاح النظام الضريبي، وتطوير التعليم، وبناء بيئة تشريعية مستقرة، وتحسين البنية التحتية، والاستثمار في رأس المال البشري.

وعندما تحوّلت سنغافورة إلى أحد أكبر المراكز الاستثمارية في العالم، لم يكن ذلك نتيجة حملات ترويجية، بل نتيجة بناء مؤسسات قوية، وإدارة عامة فعالة، وقضاء سريع، وموانئ ومطارات عالمية، وقوانين واضحة، واستقرار سياسي وإداري طويل الأمد.

أما دولة الإمارات العربية المتحدة، فلم تصبح وجهة استثمارية لأن مسؤوليها عقدوا مؤتمرات للمستثمرين، بل لأنها بنت خلال عقود منظومة متكاملة تشمل بنية تحتية عالمية، ومناطق اقتصادية متخصصة، وتشريعات مرنة، وخدمات حكومية رقمية، واستقراراً تنظيمياً، ورؤية اقتصادية واضحة جعلت المستثمر يرى البيئة الاستثمارية قبل أن يسمع الخطاب الرسمي.

حتى رواندا، التي خرجت من واحدة من أكثر الحروب الأهلية دموية في العالم، لم تبدأ باستضافة المستثمرين، بل بدأت بإعادة بناء مؤسسات الدولة، ومحاربة الفساد، وتبسيط الإجراءات، وتحسين بيئة الأعمال، قبل أن تتحول لاحقاً إلى إحدى أسرع الاقتصادات نمواً في أفريقيا.

أما في لبنان، فإن المشهد يبدو معكوساً بالكامل.

نسعى أولاً إلى جذب المستثمر، قبل أن نبني الدولة التي سيستثمر فيها.
نسوّق الفرص، قبل أن نصنع هذه الفرص.

ونتحدث عن الاقتصاد، في وقت لا تزال فيه ركائز الاقتصاد الحقيقي تعاني من ضعف بنيوي عميق.

فما هي القطاعات الإنتاجية التي جرى تطويرها خلال السنوات الأخيرة؟

هل أصبح لدينا قطاع صناعي قادر على المنافسة الإقليمية؟

هل أُعيد بناء قطاع زراعي يعتمد على التكنولوجيا الحديثة وسلاسل القيمة والتصدير؟

هل تم تحديث قطاع التجارة والخدمات اللوجستية ليواكب الاقتصاد العالمي؟

هل وُضعت سياسة وطنية للاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والصناعات الإبداعية؟

هل أُعيدت هيكلة النظام المالي والمصرفي بما يعيد الثقة إلى المستثمر المحلي قبل الأجنبي؟

هل استعاد المواطن اللبناني ودائعه المالية التي تشكل أساس الثقة بأي نظام اقتصادي؟

فكيف نطلب من المستثمر الأجنبي أن يثق باقتصاد، بينما المواطن نفسه لا يستطيع الوصول إلى أمواله، ولا يعرف متى وكيف ستُعاد حقوقه؟

إن أي مستثمر محترف لا يبدأ بدراسة المؤتمر، بل يبدأ بدراسة المخاطر.

والمخاطر في لبنان لا تزال مرتفعة. فالاستقرار السياسي لا يزال هشاً، والإصلاحات الهيكلية لم تكتمل، والإدارة العامة تحتاج إلى تحديث شامل، والقضاء لا يزال يواجه تحديات تتعلق بسرعة الفصل في النزاعات وتنفيذ العقود، والتشريعات الاقتصادية في العديد من القطاعات تحتاج إلى مراجعة شاملة لتتلاءم مع الاقتصاد العالمي الجديد.

كما أن الدولة لم تضع حتى اليوم خطة طريق متكاملة للتوجه الاصلاحي، لم تُطلق حتى رؤية اقتصادية وطنية متكاملة تُحدّد بدقة ما هي القطاعات ذات الأولوية، وما هو النموذج الاقتصادي الذي تريد بناءه خلال العقدين المقبلين.

في الواقع، أن الاستثمار لا يبحث عن دولة تمتلك النوايا الحسنة فقط، بل يبحث عن دولة تمتلك رؤية واضحة، ومؤسسات مستقرة، وقوانين قابلة للتنبؤ، وبنية تحتية حديثة، وسوقاً منتجة، وإدارة قادرة على تنفيذ التزاماتها.

إن الدول التي تنجح في جذب الاستثمارات الكبرى لا تبدأ من الخارج، بل تبدأ من الداخل. تبدأ بإصلاح الإدارة، وتحديث الاقتصاد، وبناء القطاعات الإنتاجية، وتطوير التعليم، وتعزيز الابتكار، وإصلاح القضاء، ورفع كفاءة الخدمات العامة، وتحقيق الاستقرار المالي والنقدي.

ثم يأتي المستثمر لاحقاً نتيجةً طبيعية لهذه الإصلاحات، وليس نتيجة حملة دعائية أو منتدى اقتصادي. أما الاكتفاء بالحديث عن “استعادة الثقة”، أو “نجاح المؤتمرات”، أو “ارتفاع عدد المشاركين”، فهو يخلق وهماً بالإنجاز لا يغيّر شيئاً في المؤشرات الاقتصادية الحقيقية.

فالاقتصاد لا يقاس بعدد الصور التذكارية، ولا بعدد كلمات الترحيب، ولا بعدد الوفود المشاركة. بل يقاس بحجم الاستثمار المنفذ، وعدد الشركات التي افتتحت أعمالها، وقيمة الصادرات، ونمو الإنتاج، وخلق فرص العمل، وارتفاع الإنتاجية، وتحسن مستوى معيشة المواطنين.

إن لبنان لا يحتاج اليوم إلى المزيد من التسويق السياسي للاقتصاد، بل يحتاج إلى اقتصاد حقيقي يمكن تسويقه. فالاستثمار ليس بداية النهضة، بل هو نتيجة لها.

وعندما تبني الدولة اقتصاداً منتجاً، ومؤسسات موثوقة، وحوكمة حديثة، واستقراراً سياسياً وقانونياً، فإن المستثمر لن يحتاج إلى دعوة لحضور مؤتمر، فهو سيأتي وحده.

لأن الأسواق العالمية تستثمر في الحقائق، وليس في الخطابات.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك