سبعة عقود من الشعارات… ماذا جنت الأوطان العربية؟

بقلم د. حبيب باشا – خاص بوابة بيروت

@HabibKBacha

منذ منتصف القرن العشرين، عاشت الشعوب العربية على وقع شعارات ضخمة، الوحدة العربية، الأمة الواحدة، تحرير فلسطين، إزالة إسرائيل من الوجود، المعركة المصيرية، ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة.

كانت الكلمات رنانة، والخطابات حماسية، والجماهير تهتف، لكن بعد أكثر من سبعين عاماً، لا بد من سؤال بسيط لا يحتمل المواربة، ماذا بقي من كل ذلك؟
أين الوحدة العربية؟
وأين الأمة الواحدة؟
وأين فلسطين التي قيل إنها ستكون بوابة نهضة العرب؟
وأين الدول التي حملت راية القومية العربية؟
الجواب يكتبه التاريخ، لا الخصوم.

لقد قدّم جمال عبد الناصر القومية العربية باعتبارها مشروعاً يوحّد العرب ويقودهم إلى النهضة. لكن تجربة الوحدة بين مصر وسوريا لم تعمّر سوى سنوات قليلة وانتهت بانفصالٍ كشف أن الشعارات وحدها لا تبني اتحاداً بين الدول.

ثم جاءت أنظمة حزب البعث في سوريا والعراق، وكلٌّ منها رفع شعار “أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة”. لكن النتيجة لم تكن وحدة، بل خصومة عميقة بين نظامين يدّعي كل منهما تمثيل الفكرة نفسها، ووصل الأمر إلى صدامات سياسية وعسكرية غير مباشرة، بينما بقيت الوحدة مجرد شعار على الجدران.

وفي سوريا، رفع حافظ الأسد ثم من بعده نجله شعارات “الصمود والتصدي” لعقود، لكن البلاد انتهت إلى حرب مدمرة، وملايين اللاجئين والنازحين، ودمار واسع للبنية التحتية، في واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في المنطقة.

أما معمر القذافي، فقد أنفق سنوات طويلة يتنقل بين مشاريع “الوحدة العربية” و”الوحدة الأفريقية” وطرح نظريات سياسية غير تقليدية، بينما بقيت مؤسسات الدولة الليبية هشة، وهو ما ظهر بوضوح بعد سقوط نظامه.

ورفع ياسر عرفات شعار الكفاح الوطني لعقود طويلة، إلا أن القضية الفلسطينية واجهت تعقيدات متزايدة، ولم يتحقق الهدف النهائي المتمثل في إقامة دولة فلسطينية مستقلة، بينما تعاقبت أجيال كاملة على الصراع.

أما الأحزاب القومية والناصرية والبعثية، فقد جعلت من فلسطين معياراً للوطنية، ومن الاختلاف معها تهمة، ومن النقد خيانة، حتى أصبحت الشعارات أحياناً وسيلة لتأجيل الإصلاح الداخلي، وتبرير تقييد الحريات، وتقديم “المعركة الكبرى” على احتياجات المواطنين اليومية.

المفارقة أن معظم الأنظمة التي رفعت لواء تحرير فلسطين لم تستطع أولاً أن تحرر مواطنيها من الفقر، أو أن تبني مؤسسات مستقلة، أو أن تؤسس اقتصاداً تنافسياً، أو أن تضمن تداولاً سلمياً للسلطة.
لقد وعدت الجماهير بالنهضة، فكانت الحصيلة في كثير من الحالات، انقسامات، وحروب، وهجرة، وأزمات اقتصادية، وتراجع في مؤشرات التنمية مقارنة بدول ركزت على بناء الإنسان والدولة قبل الشعارات.

ربما يكون الانتماء العربي حقيقة ثقافية وتاريخية لا خلاف عليها لبعض الناس، لكن تحويل هذا الانتماء إلى مشروع سياسي واحد أثبت، عبر تجارب متعددة، أنه لم يحقق الأهداف التي وعد بها.

أما فلسطين، التي قيل إنها قضية شعب له حقوق معترف بها في القانون الدولي، لكن ربط مستقبل جميع الدول العربية بها باعتبارها “القضية الوحيدة” أدى، في نظر كثير من النقاد، إلى تهميش أولويات بناء الدولة الوطنية والتنمية في عدد من البلدان.

لقد آن الأوان للانتقال من ثقافة الشعارات إلى ثقافة النتائج. فالدولة القوية لا تُبنى بالخطب، بل بالمؤسسات. ولا تُحمى بالهتافات، بل بسيادة القانون. ولا تنهض بالمزايدات، بل بالاقتصاد والتعليم والبحث العلمي والدبلوماسية الرشيدة.

إن مراجعة الفكر القومي العربي ليست إنكاراً للتاريخ، بل اعتراف بأن الأفكار تُقاس بما تنتجه على أرض الواقع، لا بما تعد به فوق المنابر.

والنتيجة التي يصعب تجاهلها هي أن كثيراً من الدول التي جعلت القومية العربية محور مشروعها السياسي خرجت من العقود الماضية وهي أكثر انقساماً، وأقل استقراراً، وأضعف مؤسسات، بينما نجحت دول أخرى اختارت الاستثمار في الإنسان، والاقتصاد، والدولة، لا في الشعارات.

لقد آن الأوان لأن ندرك أن الأوطان لا تُبنى بالأحلام الكبرى وحدها، بل بالحكم الرشيد، والمساءلة، واحترام القانون، والعمل المنتج.
فالتاريخ لا يحفظ عدد الخطب، بل يحفظ ما تركته تلك الخطب وراءها من أوطان مزدهرة أو أوطان منهكة.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك