الإطار الثلاثي… هل تبدأ سيادة لبنان من طاولة التفاوض؟

بقلم كوثر شيا – خاص بوابة بيروت

@kchaya

بين الحرب والسلام مساحة لا تُقاس بالكيلومترات، بل تُقاس بقدرة الدول على تحويل الصراع إلى فرصة لبناء مستقبل أكثر استقراراً. وفي ظل ما شهده لبنان منذ آذار 2026 من حرب مدمرة خلّفت آلاف الضحايا وأكثر من مليون نازح، جاء توقيع الإطار الثلاثي بين الولايات المتحدة الأميركية ولبنان وإسرائيل في واشنطن بتاريخ 26 حزيران 2026 ليشكّل محطة سياسية مفصلية تستحق القراءة بعيداً عن الانفعال، وقريباً من منطق الدولة.

قد يختلف اللبنانيون حول تفاصيل الاتفاق، وقد تتباين المواقف السياسية، إلا أن المبدأ الأساسي في علم التفاوض يبقى ثابتاً: أفضل الاتفاقات ليست تلك التي يخرج فيها طرف منتصراً وآخر مهزوماً، بل تلك التي تمنع استمرار الخسارة للجميع، وتفتح الباب أمام حلول تدريجية تحقق المصالح المشتركة.

هذا ما يُعرف عالمياً بمبدأ Win-Win، وهو جوهر أي وساطة ناجحة.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن استمرار الحروب لا يصنع سيادة، كما أن غياب الدولة يفتح المجال أمام تعدد مراكز القرار. لذلك فإن أي مسار يعيد القرار الأمني والعسكري إلى مؤسسات الدولة اللبنانية يستحق الدراسة بموضوعية، وليس بالانفعال.

الإطار الجديد يقوم على مبدأ التدرج والالتزام المتبادل، حيث تتولى الدولة اللبنانية، عبر الجيش اللبناني، استعادة سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية بالتوازي مع انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية وفق مراحل تخضع للمتابعة والتحقق من خلال لجنة تنسيق عسكرية دولية برعاية الولايات المتحدة.

ورغم أن كثيراً من التفاصيل التقنية ما زالت بانتظار الملحق الأمني النهائي، فإن مجرد انتقال الملف من لغة الصواريخ إلى لغة التفاوض يُعد تحولاً مهماً في إدارة الأزمة.

للمرة الأولى… موقف لبناني رسمي موحد

اللافت في هذه المرحلة ليس فقط الاتفاق بحد ذاته، بل حالة الانسجام التي ظهرت بين مؤسسات الدولة اللبنانية.

فقد جاء دعم رئيس الجمهورية والحكومة اللبنانية لهذا المسار ليؤكد أن الدولة اختارت استعادة دورها الدستوري في إدارة الملفات السيادية، وأن القرار الرسمي أصبح أكثر وضوحاً في الدفاع عن استقلال لبنان ووحدته.

هذا الموقف يمنح اللبنانيين أملاً بأن تصبح الدولة المرجعية الوحيدة في القرارات المصيرية، بعيداً عن تعدد الولاءات أو تضارب مراكز القوة.

فالسيادة ليست شعاراً يرفع في المناسبات، بل مسؤولية تمارسها مؤسسات شرعية تمتلك قرار السلم والحرب.

هل يعني التفاوض الاستسلام؟

من أكثر المفاهيم الخاطئة انتشاراً في مجتمعات النزاع اعتبار أن التفاوض هو شكل من أشكال الضعف.

والحقيقة أن أصعب القرارات هي تلك التي تتطلب الجلوس إلى طاولة الحوار بعد سنوات من الدماء.

فالتفاوض لا يلغي الحقوق، بل يخلق آليات لاستعادتها.

ولا يمنح الشرعية للاحتلال، بل يبحث عن وسائل لإنهائه بأقل الخسائر الممكنة.

ولا يعني التنازل عن الكرامة الوطنية، بل حماية ما تبقى من الوطن.

كل اتفاق سلام كبير في التاريخ بدأ بحوار كان مرفوضاً في بدايته.

التحديات ما زالت كبيرة

رغم أهمية هذا التطور، فإن الطريق لا يزال طويلاً.

فرفض حزب الله لهذا الإطار واعتباره لاغياً، واستمرار امتلاكه لقدرات عسكرية مستقلة، يجعل التنفيذ أكثر تعقيداً.

كما أن استمرار إسرائيل في التمسك بما تسميه “المنطقة الأمنية” وغياب جدول زمني واضح للانسحاب الكامل يثيران تساؤلات مشروعة حول مستقبل السيادة اللبنانية.

إضافة إلى ذلك، يبقى الدور الإقليمي، ولا سيما الموقف الإيراني، أحد أهم العوامل المؤثرة في نجاح أو فشل أي اتفاق.

لذلك فإن نجاح هذا الإطار لن يقاس بما كُتب على الورق، بل بما سيتحقق على الأرض.

الوساطة ليست انتصار طرف على آخر

من خلال عملي في مجال الوساطة وبناء السلام، تعلمت أن النجاح الحقيقي لا يتحقق عندما يهزم طرف خصمه، بل عندما يتوقف الجميع عن خسارة مستقبلهم.

لقد دفع اللبنانيون أثماناً باهظة من أرواحهم واقتصادهم ومستقبل أبنائهم.

واليوم، ربما تكون الفرصة متاحة أمام الدولة لاستعادة زمام المبادرة، وبناء مرحلة جديدة يكون فيها الجيش اللبناني المؤسسة الوحيدة المسؤولة عن حماية الحدود والدستور، ويصبح الحوار هو الوسيلة الوحيدة لحل النزاعات.

إن السلام لا يولد من الثقة الكاملة، بل من بناء الثقة خطوة بعد خطوة.

ولا تصنعه الشعارات، بل المؤسسات.

ولا يحميه السلاح وحده، بل العدالة وسيادة القانون والدولة القادرة.

في الختام، الإطار الثلاثي ليس نهاية الصراع، بل بداية مسار طويل مليء بالتحديات.

وقد وصفه وزير الخارجية الأميركي بأنه “بداية البداية”، وربما يكون هذا الوصف الأدق.

يبقى الأمل أن تكون هذه البداية فرصة حقيقية للبنان كي يستعيد استقلالية قراره الوطني، ويثبت أن الدولة وحدها هي الضامن لجميع أبنائها.

فحين يجلس الجميع إلى طاولة الحوار، لا يكون الهدف أن يربح فريق ويخسر آخر، بل أن يربح الوطن بأكمله.

لأن الوطن، في النهاية، هو الطرف الذي لا يجوز أن يخسر مرة أخرى.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك