
مدير التحرير
زيارة الدّولة إلى الدّولة
خاص بوابة بيروت
أتت زيارة وزير الخارجيّة السوري أسعد الشيباني إلى بيروت في توقيت دقيق جدًّا. الدّولة تتصارع مع ذاتها المنفصمة عن دستورها، الإقليم بأكمله في طور الانتقال من بعد سياسي إلى بعد مختلف تمامًا، والعالم بأكمله في حالة ترقّبٍ للتطوّرات الدّوليّة التي تعصف من كلّ حدبٍ وصوب. فما هي أبرز دلالات هذه الزيارة؟ وهل ستتمكّن الدّولة اللبنانيّة باستثمار نتائجها المتعدّدة؟
تميّزت هذه الزيارة بمدلولاتها. فبعدما كانت العلاقة اللبنانية – السوريّة تتمّ من قبل المكاتب الأمنيّة المخابراتيّة السوريّة مع شخصيّات وزعامات سياسيّة لبنانيّة، أصبحت اليوم علاقات ندّيّة من دولة إلى دولة.
وما أكّد ذلك هو عدم لقاء شخصيّات كانت تدور في الفلك السابق، بل على العكس زار الشيباني بكركي بما تحمله من دلالات في صراعها مع نظام البعث.
كما التقى الدكتور سمير جعجع، رئيس حزب القوّات اللبنانيّة.، ورئيس حزب الكتائب اللبنانيّة الشيخ سامي الجميّل، بمعنى آخر هو التقى أكثر فريق لبناني عانى من بطش وجور نظام الأسد.
وهذه محاولة ناجحة لشفاء الذاكرة اللبنانيّة (المسيحيّة) المجروحة.
كما بدت زياته لمدينة طرابلس لافتة بالشكل والمضمون. فطرابلس هي من أكثر المدن التي عانت من نظام الأسد.
والأكثر تمّ تهميشها وحرمانها من أيّ إنماء في زمن حكم البعث في لبنان؛ حتّى في زمن الحريريّة السياسيّة التي كانت تصبّ طرابلس في صناديقها الانتخابيّة بشكل كلّيّ من دون هوادة.
وما بدا أيضًا من هذه الزيارة رأب الصدع الذي أنتجته سياسة منظّمة حزب الله في طرابلس من جهة وفي سوريا من جهة ثانية. والقاصي والدّاني يعلم أنّ طرابلس لا زالت حتّى الساعة تعاني من ذيول ما ارتكبته منظّمة حزب الله في سوريا.
ودرّة التّاج في هذه الزيارة المميّزة كانت في بعبدا ورياض الصلح. إذ ثبّتت أنّ الدّولة هي هناك. فالدّولة بحسب الحكم السوري الجديد هي في مؤسّساتها لا في شخصيّاتها وبعض أحزابها.
أمّا زيارة عين التينة فبدت زيارة لطمأنة المكوّن الشيعي، ولا سيّما بعد الدّعوات لغزو سوري في البقاع لاقتلاع منظّمة حزب الله.
واللافت في هذا النّهار أيضًا الاستدارات الجنبلاطيّة التي واكبت زيارة كليمنصو والمواقف التي اطلقها جنبلاط باتّجاه مسار الدّولتين السيّدتين.
من المتوقّع أن يشهد لبنان بعد هذه الزيارة الرّأب – صدعيّة إطلاق عجلة العودة الطوعيّة للنازحين السوريين الذين لا زالوا على الأراضي اللبنانيّة. وهذا ما تحدّثت عنه بعض المصادر الديبلوماسيّة المرافقة في هذه الزّياة المعياريّة للبلدين.
كما ذكرت المصادر نفسها أنّ الموقوفين السوريين في لبنان سيتم فتح ملفّاتهم قضائيًّا بين البلدين. ولعلّ ما ستؤمّنه هاتان المسألتان من فسحة اجتماعيّة -إقتصاديّة للبنان قد تساهم من الحدّ وسط هذه الأزمة الاقتصاديّة – الاجتماعيّة الخانقة.
جاءت هذه الزيارة من دولة إلى دولة لدعم مسار الدّولة اللبنانيّة في الاتّفاق الإطاري. فيما قد يحوّل الدّولة اللبنانيّة كأنموذج للدولة السوريّة بالنّهوض الإقليمي.
هذا من ناحية. ومن ناحية ثانية، لا زالت الضمانات الدوليّة في التفاهم الإيراني – الأميركي هشّة تنتظر الهدنة الرياضيّة التي فرضتها مباريات كأس العالم في كرة القدم. وهذه الضمانات لا تضمن أيضًا الاتّفاق الإطاري وتمكنعه من السقوط كما تمّ إسقط 17 أيّار منذ 43 سنة.
صحيح أنّ الظروف بين الأمس واليوم تختلف كثيرًا، لكن الضمانات الأميركيّة تبقى غير مستقرّة. في ظلّ وجود الحائك الإيراني الذي لا زال يمارس التقيّة الديبلوماسيّة.
مع الاسرائيلي الذي يفرض التحقّق من أيّ عمليّة نزع سلاح عند تطبيق المناطق التجريبيّة. ناهيك عن الانقسام الدّاخلي الذي يحاول فخامة الرّئيس أن يستوعبه، ويحاول تجنيب الشارع اللبناني أيّ ارتدادات قد تطيح بالاتّفاق من الدّاخل اللبناني. فيما فخامته ترك أمر الاسقاط للإسرائيلي في حال عدم التزامه بما تفرضه مواد هذا الاتّفاق.
في ظلّ ذلك كلّه، برزت البوّابات الإسرائيليّة على الخطّ الأصفر لتدقّ ناقوس الخطر حول احتمال عمليّة تغيير حدوديّة بسبب وجود سلاح حزب الله الذي لا يثق الاسرائيلي بقدرة الدّولة اللبنانيّة على نزعه.
كما تبدو مصلحة المنظّمة مشتركة مع المحتلّ.إذ ببقاء الاحتلال يبقى السلاح. وببقاء السلاح لا تقوم الدّولة. يبقى أنّ العقيدة القتاليّة الاسرائيليّة الجديدة التي صارت القتال على الأرض اللبنانيّة هي التي ستحكم المرحلة القادمة.
فهل تصمد الدّولة اللبنانيّة لتبقى دولة بين مسارين: إسلام آباد تتمسّك به المنظّمة، واتّفاق واشنطن الذي تتمسّك به الدّولة؟ أم تفرض الدّولة اللبنانيّة مسارها انطلاقًا من خطاب 9 كانون الثاني 2025؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير