
مدير التحرير
جنازة السَّلَف بغياب الخلف
خاص بوابة بيروت
شهد العالم جنازة الخامنئي وسط تدابير إيرانيّة مليئة بالرّسائل إلى الدّاخل الإيراني وإلى الخارج كلّه، ولا سيّما الولايات المتّحدة الأميركيّة. وما لفت في جنازة الخامنئي غياب ابنه مجتبى، الأمر الذي عزّز الشكوك حول مقتله، أو على الأقلّ حول عدم أهليّته للظهور أو لتولّي القيادة.
ولعلّ هذا ما طرح إشكاليّة جوهريّة مفادها: من هو الحاكم الفعلي اليوم في إيران؟ وهل باتت إيران بلا رأس، والسلطة فيها تتقاسمها عدّة جهات؟ وهل سنكون أمام مرحلة انتقاليّة سيُعلَن عنها قريبًا بعد الانتهاء من الإجراءات الروتينيّة؟ أم ستبقى الرّأس معلّقة بفعل هذا الغياب؟
مشهدٌ يُراد له أن يُطمئن… ويُربك
أسئلة مشروعة حاول الحاكمون الحقيقيّون تبديدها في المشهديّة التي أُظهِرت؛ حيث حضر عدد من الوفود الأجنبيّة، أبرزها وفد باكستان برئاسة رئيس الوزراء شهباز شريف، إضافة إلى قائد الجيش الباكستاني، لتقديم التعازي والمشاركة في مراسم التأبين.
كما أشارت تقارير إلى مشاركة وفود من دول حليفة لإيران، بينها روسيا والصين والعراق. كما بدت لافتة مشاركة وزير الدّفاع اللبناني، الأمر الذي أثار حفيظة جزء كبير من اللبنانيّين في ظلّ هذه الازدواجيّة في الموقف.
أعاد بعضهم هذه المشاركة إلى الاعتبارات البروتوكوليّة للتخفيف من وطأتها السياسيّة في الساحة اللبنانيّة، ولا سيّما بعد المواقف الحادّة التي أطلقها فخامة الرّئيس العماد جوزيف عون، إذ انتقد تهديدات محور إيران في لبنان باستعمال الشارع، فكانت لافتة إشارته إلى أنّ الشارع سيُواجَه بالمؤسّسات.
وهذه رسالة واضحة إلى العالم بأسره بأنّ الدّولة عادت إلى مكانتها الطبيعيّة. لكنّ مشاركة اليوم عادت لتزرع الشكوك من جديد.
حين يتحوّل البروتوكول إلى موقف سياسي
لكن، بغضّ النظر عن البعد البروتوكولي، لا يمكن النّظر إلى هذه المشاركة بعين بروتوكوليّة فقط، لأنّ العيون السياسيّة سرعان ما جحظت لحساسيّة هذه المسألة، إذ قد تحاول إيران استغلال البعد الدبلوماسي لاستعادة شرعيّتها السياسيّة في لبنان، ولا سيّما أنّ مشاركة حلفائها نجحت في توظيفها عاملًا يؤكّد استمراريّة هذا المحور الذي تتزعّمه في الشرق الأوسط.
ولعلّ هذا ما قد يعمّق الفجوة اللبنانيّة داخليًّا، لأنّ هذه المشاركة دحضت، في نظر كثيرين، مبدأ الحياد الذي أطلّ على الساحة اللبنانيّة السياسيّة من بابها الإقليمي الواسع، ممّا سيسبّب إحراجًا للحكومة اللبنانيّة في مسار علاقاتها الخارجيّة، لأنّ السياسة الخارجيّة قد سقطت في متاهات القرارات المتضعضعة.
فضلًا عن أنّ هذه المشاركة ستثير التساؤلات لدى الشركاء الدّوليّين، وأوّلهم الولايات المتّحدة الأميركيّة، التي إن لم يتمّ توضيح هذه الزيارة وتحجيمها سياسيًّا، فقد تفسّرها على أنّها انحياز، أو ربّما إعادة تموضع، كي لا نقول عجزًا عن قدرة الدّولة اللبنانيّة على الخروج من الدائرة الإيرانيّة المغلقة. وهذا ما قد يزيد تعقيد علاقات لبنان مع شركائه العرب والغربيّين في هذه المرحلة الحسّاسة.
من يحكم إيران اليوم؟ هل مات النّظام؟
أمّا بالعودة إلى غياب الخلف، فيحمل هذا الغياب عدّة دلالات كما أشرنا آنفًا. لكن لا يمكن استبعاد المخاوف الأمنيّة، ولا سيّما أنّ الجمهوريّة الإسلاميّة لا تُشيّع سلفًا توفّي ميتةً طبيعيّة، بل تشيّع قائدًا شكّل اغتياله اغتيالًا لرمز نظامٍ لطالما عُرف ببطشه وحديديّته وتمدّداته الإقليميّة. لكنّ الإشكاليّة لا تكمن في هذا الغياب بحدّ ذاته، بقدر ما ستتظهّر أكثر في استمرار هذا الغياب، ما قد يفتح الباب واسعًا أمام التكهّنات حول قدرة هذا النّظام على الاستمرار والمحافظة على استقراره بشكله الحالي.
كما تعمّدت إيران، من خلال هذا التنظيم الجنائزي، إرسال رسالة ردع إلى الولايات المتّحدة وإسرائيل بأنّ مؤسّسات الدّولة لم تنهَر بفقدان قائدها. وقد وصفت وسائل الإعلام الإيرانيّة الجنازة بأنّها «عرض للوحدة» في مواجهة الولايات المتّحدة وإسرائيل، على حدّ ما أوردته إحدى الشبكات الإعلاميّة العالميّة أيضًا. ما يعني أنّ النّظام باقٍ ولن يسقط كما مهّد نتنياهو لترامب.
في المقابل، أراد الحرس الثوري الإيراني، من خلال حضوره الطاغي، أن يثبت أنّه الضامن الحقيقي لاستمراريّة الحكم الحالي في إيران، ما يعني أنّ نفوذه مرشّح للتزايد بشكل مطّرد داخل الجمهوريّة الإسلاميّة.
فهل سينعكس هذا التمدّد بترجمة لتمدّد أشباهه خارج حدود الجمهوريّة الاسلاميّة في مرحلة جديدة قد تنبئ بمسارين اثنين لا ثالث بينهما: إمّا انتهاء المفاوضات برضوخ إيرانيّ مع ما قد يشمله هذا الرّضوخ من حلفاء لهذا النّظام. وإمّا التحضير لجولة عنف جديدة أقوى بكثير من سابقاتها. وفي كلتا الحالتين لن تبقى إيران كما هي اليوم.
كربلاء القرن والتفاوض فوق النّعوش
كما برز في هذا التشييع استحضار واضح لخطاب «الشهادة» و«الاستمرار»، ومحاولة تحويل الخامنئي إلى رمز ديني يُقارب في رمزيّته الإمام الحسين الذي استُشهد في واقعة كربلاء.
وهذا يعني، إيديولوجيًّا، محاولة تحويل الخامنئي واللحظة الراهنة إلى «كربلاء القرن»، لإضفاء الطابع القدسي على حدثٍ دنيويّ، بهدف شدّ العصب الداخلي لأتباع الوليّ الفقيه.
ولعلّ هذه المشهديّة قد تستخدمها إيران لإظهار الرّوح الإيرانيّة الواحدة على أعتاب الجولات التفاوضيّة، ما سيمنحها ورقة قوّة جديدة كادت أن تفقدها على وقع تحرّكات المعارضة الإيرانيّة. لكن، بالطبع، فإنّ هذه المشهديّة، مهما حاول المفاوض الإيراني استثمارها، لن تغيّر شيئًا في موازين القوى في الميدان. لذلك يبدو هذا الرهان ضعيفًا من قبل نظام يفقد أوراق قوّته الواحدة تلو الأخرى.
وربّما قد تكون هذه الجنازة مدخلًا إلى الانتقال من مرحلة الثأر العسكري، التي تمّ اختبارها في الميدان اللبناني وفشلت، إلى مرحلة الاستثمار السياسي، من خلال تثبيت القيادة الجديدة التي لم يُعلَن عنها حتّى الساعة، وتعزيز موقعها التفاوضي تمهيدًا لإعادة رسم توازنات المنطقة، وأهمّها على الجبهة اللبنانيّة.
لبنان… أوّل ميادين الاستثمار السياسي
وهذا ما قد يفسّر تصعيدًا على الجبهة اللبنانيّة في الأيّام المقبلة، بما قد يعرقل مسار واشنطن. وهكذا تكون إيران قد حقّقت نصرًا لحلفائها في لبنان باستعادة مسار إسلام آباد بعض أنفاسه، واسترجعت الورقة اللبنانيّة من بوّابة الدبلوماسيّة الهادئة التي عكستها المشاركة البروتوكوليّة الناعمة للدولة اللبنانيّة في جنازة غاب عنها وليّ الدم الأوّل.
وربّما قد تسعى منظّمة حزب الله إلى إعادة تعريف دورها داخل الدّولة اللبنانيّة، مستثمرةً هذه الدبلوماسيّة الهادئة بهدف الحفاظ على أكبر قدر ممكن من النّفوذ السياسي.
ننتظر. نترقّب. نواجه… ليبقى لبنان.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير