من “الدّولة العميقة” إلى “الدّولة الفاعلة”

خاص بوابة بيروت

لقد حسم المجتمع الدّولي أمره في لبنان حيث لم تعد الاشكاليّة المطروحة حول إمكانية تطبيق اتفاق الإطار، بل حول كيفيّة تطبيقه؛ ولا سيّما بعد نشر البنود السّرّيّة التي فجّرت الساحة السياسيّة.

ولعلّ أبرزها آليّة تنفيذ الملحق الأمني بهذا الاتّفاق الإطاري الثلاثي الذي وقّعته إسرائيل ولبنان برعاية أميركية في واشنطن.

معظم البنود معروفة منذ أشهر، لكن ما تغيّر هو التوقيت. هناك محاولة لإنجاز أكبر قدر من التنفيذ قبل أن تفرض تطورات الإقليم أولويات جديدة أو تغيّر موازين التفاوض.

لأنّ الاسرائيلي مستمرّ بأعماله العسكريّة، وبعلم من قبل الأميركي وآخرها حتّى الساعة “نفق وادي حسن”، الذي يقع في بلدة مجدل زون في قضاء صور، جنوب لبنان، على عمق 25 مترًا وبطول 200 متر.

هذا ما يؤكّد أنّ هدف إسرائيل لم يعد القضاء على منظّمة حزب الله وسلاحها بل أضحى هدفها إنتاج بيئة أمنية جديدة في جنوب لبنان، تمنع إعادة بناء القدرات العسكرية، حتى لو انسحبت من النقاط المتبقية. هذا هو بيت القصيد في عمليّة التفاوض لا الحدود فقط.

أمّا المجتمع الدولي فيقيس نجاح الدولة اللبنانية بطريقة مختلفة في هذه الأثناء. حيث لم يعد المعيار في القدرة السياسيّة وحسب، لأنّه بات يدرك تمام الإدراك أنّ تشكيل السلطة السياسية في لبنان يخضع لعمليّة طرابيش أبو ملحم المجلس وأرانبه التي اعتدنا عليها، وصارت كلّها مكشوفة.

لقد أصبح المعيار بالنّسبة إلى المجتمع الدّولي في قدرة المؤسّسات الأمنية والإداريّة على احتكار العنف عملًا بمبدأ ” ماكس فيبر” العلمي، وتنفيذ قرارات الحكومة السياسيّة التي لا تزال حتّى الساعة معلّقة.

عمليًّا لم يعد يكترث المجتمع الدّولي بتفكيك ” الدّولة العميقة” بل صار أكثر نتشدّدًا في بناء” الدّولة الفاعلة” التي تستطيع تنفيذ تعهّداتها.

فالاختبار الحقيقي صار في كيفيّة تعامل الدولة الفاعلة مع أول خرق كبير. ويبدو أنّ ما حصل على طريق المطار هو مؤشّر إيجابيّ ترجمته الدّولة الفاعلة عمليًّا.

وهذا ما سيستمرّ لأنّ مقياس النّجاح لم يعد بقياس فترة الهدنة بل في كيفيّة التّعامل مع أوّل حادث خرق. وهذا ما سيؤكّد صوابيّة الآليّة الجديدة التي نصّ عليها الإطار، وسيثبت أنّ القوى الثلاثيّة، وبما فيها The American Boots On The Ground، قادرة على احتواء التّصعيد وتفكيك ألغامه.

يبقى أنّ العامل الذي استجدّ دخوله في المباحثات الهادئة هو العامل الاقتصادي الذي دخل المفاوضات بصمت. فأيّ تأخير في تثبيت الوضع الأمني يؤخر الاستثمار، وإعادة الإعمار، وتمويل البنية التحتية.

وبالتالي أصبح الأمن شرطًا اقتصاديًا أكثر منه عسكريًا. وهذا ما يدركه تمامًا دولة الرّئيس نبيه برّي.

وهو يدرك أيضًا أنّ عمليّة إعادة الاعمار قد تمّ سحب بساطها من تحت قدميه، وسط المعلومات الإعلاميّة التي وصلت إلى موقع بوّابة بيروت، والتي تفيد بالحديث الجدّي عن تشكيل هيئة إعادة الإعمار، حيث أكّدت المعلومات بأنّها ستكون بإشراف مباشر من قبل دولة الرّئيس نوّاف سلام.

المرحلة المقبلة ليست مرحلة السلاح فقط بل مرحلة الشرعية واستعادة السيادة من خلال إبطال مفاعيل التشارك والتشارط السيادي.

فما كان مقبولا قبل السابع من اكتوبر لم يعد كذلك اليوم.

لذلك أضحى السؤال الذي سيحكم الأشهر المقبلة ليس: أين يوجد السلاح؟ بل: من يملك حقّ اتّخاذ قرار الحرب والسلم؟ وهذه نقلة من النقاش العسكري إلى النقاش السيادي.

وكلما تقدّم التنفيذ تقلّص هامش العودة إلى ما قبل 8 تشرين الأول 2023؛ فكل خطوة تقنية تحمل قيمة سياسية. من إزالة موقع، فتح طريق، انتشار وحدة عسكرية، أو إنشاء نقطة مراقبة، تبدو إجراءات ميدانية بسيطة، لكنها في الواقع تعيد رسم ميزان السلطة على الأرض تدريجيًّا.

لكنّ السيناريو الأكثر احتمالًا قد لا يكون انهيار الاتفاق، بل بقاؤه في حالة تنفيذ جزئي طويل، بحيث يتحول الجنوب إلى منطقة مستقرة أمنيًّا لكنها معلّقة سياسيًا.

وهذا ما سيستنزف منظّمة حزب الله حتّى النقطة الأخيرة في ظلّ استمرار العمليّات الاسرائيليّة. حيث سيتمّ الانتقال من “الردع المتبادَل” إلى “الردع المُدار” من قبل سيّد الميدان.

فقبل الهدنة كانت منظّمة حزب الله وإسرائيل تصنعا اغلموازين، لكن بعد الاتّفاق الإطاري دخلت الولايات المتّحدة بقوّ’ وهي باتت تدير الرّدع وفقًا لمعاييرها. وهذا ما سيقلّل هامش المبادرة لدى طرفي الصراع.

في المحصّلة، يبقى أن نشير إلى أنّه لو تعثّرت هذه العملية لاحقًا، فإنّ الوقائع التي تُرسم على الأرض، والمؤسسات التي يجري بناؤها، والالتزامات الدولية التي تتكرّس تباعًا، ستجعل العودة إلى ما كان عليه لبنان قبلها أكثر صعوبة، وربما مستحيلة.

وهذا ما سيؤسّس فعليًّا للمرحلة التي ستلي الدّولة الفاعلة نحو “الدّولة القادرة” بكلّ مؤسّساتها من خلال إعادة رسم دور الدولة اللبنانية، وتحديد وظيفة الجنوب في المعادلة الإقليمية لسنوات طويلة.

فهل سنشهد ولادة نظام أمني جديد يُعيد إنتاج لبنان الجديد، أم أنّ ما يجري ليس سوى الفصل الأوّل من إعادة هندسة الشرق الأوسط بأسره، فيما لبنان ليس سوى نقطة الانطلاق نهحو نظام إقليميّ جديد من بوابة نظام لبناني جديد؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك