
كاتب
اللّعيب ليس روبوتًا واللعبة ليست “بلاي ستايشن” ولا ذكاءً اصطناعيًّا
بقلم عقل العويط
أجملُ ما في لعبة كرة القدم موهبتُها الفطريّة، حلميّتُها، أغلاطُها البدائيّة، وحدوسُها القاتلة.
لَجريمةٌ متمادية ما تساهم به البرمجيّات الروبوتيّة المتمادية التي تطاول اللعبة، فتستعبدها، وتخنق شعريّتها. قوانين مستجدّة ليست كلّها مهضومة، ولا مستساغة، بل أحيانًا “تخينة”، كحين يفتّش الـVar عن “التسلّل” في فارقٍ لا يزيد على سنتيمتر، بحجّةِ ظلِّ حذاء أو خصلةِ شَعر. بل أقلّ!
من المفجع أنْ ينضمّ “الفيفا” إلى “وادي السيليكون” مثلًا، بتأليه آليّة اللعبة، والرضوخ لصنميّة الذكاء الاصطناعيّ وعربدات البزنس والتسليع المتمادي والاستثمار والمضاربة، أو… ينضمّ إلى نادي السياسة، فيصير القائمون عليه، ونوادي الكرة، والدوريّات، والمنتخبات، وكأس العالم، صورةً ممجوجة عن أهل المال والبورصة والاستعراض، فضلًا عن… السياسيّين.
يحتاج الفوتبول إلى أنْ يبقى فوتبولًا، واللعبة تحتاج إلى أنْ تبقى لعبة.
أقول لـ”الفيفا”، حرام يا جماعة. والله حرام. أنتم تقتلون اللعبة بالروبوت، بالآلة، وتقتلونها بالتقنيات، والاستشعارات، وبالتذاكي الاصطناعيّ الذي يغتال البداهة، والعفويّة، والشطارة، والموهبة، والعبقريّة.
لا يجوز قهر اللعبة إلى هذا الحدّ، ولا استعباد اللعب، والتلاعب به، وتطويعه، وتدجينه، و”تأهيله” ليصبح مبرمَجًا، صنميًّا مقونَنًا، بلا نكهة، بلا مزاج، بلا دهشة، بلا مفاجأة، بلا غلط، بلا زعرنة، ومكربَجًا بلا مبادرة، و”ذكيًّا” كالكومبيوتر، ومعاقًا كـ”الفاست فود”، كـ”الدليفيري”، وآليًّا كرجلٍ آليّ، كامرأةٍ آليّة.
اتركوا الملعب للملعب، واللعب للعب واللاعبين.
والخيول، أجملُ ما في الخيول أنّها هاشلة، وفي الآن نفسه حكيمة، وتعرف بالشعور والحدس والخبرة، ماذا يجب أنْ تفعل.
هذا التوازن السرّيّ الدقيق والرهيف والغامض بين أنْ تهوشل الخيول على طريقتها، وفي الآن نفسه أنْ تصل إلى الهدف، إلى المرمى، هو جوهر اللعبة.
أنتم تنتهكون هذا التوازن. هذا الجوهر.
العشق الذي نعشقه في الفوتبول، لا نريده أنْ يصير عشقًا على طريقة البوتوكس. حرام يا جماعة “الفيفا”، يا إنفانتينو، والميليشيا التابعة، والعصابة، و”الدولة العميقة”. هذه لعبة، واسمها لعبة.
افعلوا ما تشاؤون، لكنّ الأهمّ عدم المسّ بـ”جينات” اللعبة، وشاعريّتها.
فليخسر مَن يخسر، وليربح مَن يربح. لا بدّ من ذلك. لكنْ، لا يعود ثمّة معنًى للعبة إذا سقطت في البرمحة، وزاحت عن السكّة الشعريّة.
من بين انتهاكاتٍ كثيرة لشعريّة اللعبة، ما حصل في المباراة الإقصائيّة بين البرتغال وكرواتيا، بعد منتصف ليل الخميس – الجمعة، 3 تموز.
مثلٌ بسيطٌ من أمثلةٍ لا تُحصى. فهل كان يجوز ويحقّ للـVar أنْ يذهب في المغالاة الببّغائيّة إلى حدّ التسبّب بإلغاء هدف كرواتيا (الشعريّ) القاتل في مرمى البرتغال، في حشرجات اللحظة الأخيرة من الوقت المحتسب الضائع، لأنّ الكرة لامستْ – بالاستشعار التقنيّ – شَعرَ لاعب؟!
لا انحيازًا إلى فريق، ولا لأغمط حقًّا لفريقٍ آخر، ولا أيضًا لأشكّك في ضرورات القوننة، بل لكي لا تتحوّل اللعبة عمليًّا وفعليًّا إلى بحثٍ استبداديّ عن إبرةٍ في كومةٍ من القشّ.
وإنّما غايتي هي الإفساح (الضئيل جدًّا) للعفويّة المطلقة، لـ”التجاوز” و”الغلط” (وليس من تجاوزٍ وغلط)، إكرامًا للشعريّة، للموهبة، للفطرة، للبداهة، وللهوشلة، بأنْ تبقى هي اللايدي، هي الكونتيسة، هي السندريلّا، هي العروس الملكة، وهي سيّدة اللعبة.
ألا يكفي أنّ المكننة البغيضة تجتاح العالم كلّه، وتتلاعب بالنخاع الشوكيّ، وتنتهك العلاقات الغراميّة، وتهيمن على الحبّ، على الطفولة، على الجمال، على الطبيعة، على الحلم، وتمسخ فكرة الروح، ثمّ تريد، يا للهول، بعربدةٍ موصوفة أنْ تغتال الشعر في… الفوتبول؟!
ما بدّها هالقدّ، يا جماعة “الفيفا”. الفوتبول ليس روبوتًا، واللعبة، لعبة كرة القدم، ليست “بلاي ستايشن”، ولا ذكاءً اصطناعيًّا.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير