
مدير التحرير
من واشنطن إلى بيروت : إصلاح الدّولة … فـ السلام
خاص بوابة بيروت
اليوم تمّ توقيع اتّفاق إطاري بنسخة ثانية لكن هذه المرّة بين الرّئيس اللبناني والرّئيس الأميركي، والرّاعي هو في السماء، يعمل بأيادٍ بيضاء ليعيد مجد لبنان للبنان فقط. فلم يكن هذا اللقاء لقاء ديبلوماسيًّا فحسب بل شكّل نقطة تحوّل في العلاقات اللبنانية – الأميركيّة وهو مؤشّر إلى الانتقال من إدارة الأزمة إلى حلّها بدءًا بالمساعدة في إصلاح الدّولة وصولًا إلى استعادتها بالكامل من النّافذة السياديّة، ليتمّ بعد ذلك عبور باب السلام الذي سيشكّل هدف المرحلة التالية.
لكن تبقى الخشية من الداخل اللبناني في قصوره عن تحويل هذا الاتّفاق الإطاري الجديد إلى مشروع دولة لأنّ الدّاخل اللبناني غالبًا ما يعيد إنتاج موازين القوى التعطيليّة بهدف إطالة عمر المعطّلين. فهل انتهت فعلًأ هذه الحقبة لتبدأ معها حقبة جديدة قوامها دولة السلام؟
من إدارة الأزمة إلى صناعة الدولة
التشارك السيادي شكّل عماد المرحلة السياسيّة التي امتدّت من العام 1969 حتّى العام 2005. من مقاربة هذه الإشكاليّة يقرأ اتّفاق الإطار الجديد الذي أعاد ترتيب الأولويّات التي تبدأ بإعادة بناء الدّولة من البوابة السياديّة عبر المؤسسة العسكريّة.
وهكذا أصبح الجيش اللبناني بعد هذا اللقاء المرجعيّة الوحيدة للدفاع والأمن، وبالتّألي تمّ القضاء على منظومة ” المقاومة” وكلّ من لفّ لفيفها. حتّى دولة الرّئيس برّي أصرّ فخامة الرّئيس في لقائه على تثبيت دوره الدّاعم لهذا المسار. ما يعني عمليًّا أنّ برّي أضحى متورّطًا ضدّ منظّمة حزب الله.
وهكذا تمّ إعادة صياغة فلسفة الدّولة من خلال هذا الاتّفاق الإطاري على قاعدة جديدة تقوم على احتكار الدّولة لوسائل القوّة، باعتبار ذلك المدخل الطبيعي بحسب العلوم السياسيّة كلّها لاستعادة السيادة. فقيام الدّولة لا يبدأ بوجود دستور، وهو موجود أسياسًا، بل يبدأ عندما تصبح هذه الدّولة قادرة على تنفيذ هذا الدستور.
السلاح… بين منطق التحرير ومنطق الدولة
يبدو أنّ اتّفاق الإطار الجديد قد طرح بشكل جدّيّ السؤال الآتي: هل يمكن أن تستمر دولة حديثة بوجود قرارين للحرب والسلم؟ وهذا ما استدعى طرح مقاربة جديدة لملفّ السلاح غير الشرعي الذي غالبًا ما ارتبط بالمعادلات الإقليميّة والصراعات والساحات المفتوحة. حيث صارت مقاربة هذا الملف أكثر لبنانيّة كيانيّة لأنّ التحوّلات الكبرى في منطقة الشرق الأوسط أوجبت إعادة تعريف وظيفة هذا السلاح ومستقبله.
فعمليًّا هذا السلاح اليوم بات فاقد وظيفة وجوده أي محاربة إسرائيل وتحرير الأراضي المحتلّة. فالتحرير سيتمّ ديبلوماسيًّا ومحاربة إسرائيل تمّ إسقاطها بالاتّفاق الإطاري الأوّل. ما يعني أنّ مستقبل هذا السلاح هو بيد الدّولة اللبنانية التي وحدها أصبحت مسؤولة عن قرار الحرب والسلم.
لقد أثبتت التجارب التاريخية، من إيرلندا الشمالية إلى كولومبيا، أن الحركات المسلحة تستطيع الانتقال إلى العمل السياسي عندما تتوافر لها بيئة وطنية تضمن الشراكة وتحفظ كرامة جمهورها. مقابل ذلك شكّل النّموذج اللبناني في ازدواجيّة العمل المسلّح والتشارك السيادي قمّ’ في فشل بناء الدّول والمؤسّسات.
والتّجارب المعاصرة علّمتنا أن البناء على منطق الغلبة يعني فشلًأ مؤجّلًا. لذلك نحن مدعوّون إلى إعادة صياغة للعقد الوطني الذي يجعل من الدّولة وحدها الضامن الوحيد للبنانيين كلّهم.
الاستقرار لا يُبنى بالردع وحده
كذلك من الملاحظ أنّ اتّفاق الإطار الأميركي – اللبناني قد لحظ الأسس البنائيّة للدولة الحديثة كافّة. فأعلن الرّئيس ترامب بشكل واضح وجودب عدم الفصل بين الأمن والاقتصاد لأنّ الجيش لا يستطيع حماية دولة منهارة اقتصاديًّا. وهذه الدّولة بالذات ليست بيئة جاذبة للاستثمارات.
لهذا يبدو أن المشروع المطروح يقوم على معادلة مترابطة بين إعادة بناء المؤسسة العسكريّة وهذا ما طالب به فخامة الرئيس جوزف عون، تمهيدًا لاستعادة القرار الأمني للدولة. وهذا وحده سيساهم في إعادة إطلاق عجلة الاقتصاد، وإعادة دمج لبنان في النّظام المالي العالمي بعدما نجحت منظّمة حزب الله المحميّة من المنظومة التي حكمت طوال هذه السنوات بإخراج لبنان من الخارطة الماليّة العالميّة، وبالتّألي من مدار الاستثمارات الكبرى.
فالمشروع المطروح في الاتّفاق الإطاري الجديد واضح، قوامه استعادة الوظيفة الطبيعية للدولة اللبنانية من ضمن مشروع واحد أحد يبدأ بالسيادة ليصل إلى السلام مرورًا بالدّولة. وهكذا يتحوّل لبنان من سياسة الرّدع الفاشل إلى الاستقرار الجاذب. مع الادراك الكلّي لما طرح في واشنطن حول ضرورة إشراك مختلف القوى الدّاخليّة والتي تجلّت بالرّسائل المباشرة للرئيس برّي والحديث عن إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع مختلف المكونات. وهذا ما عكس الفهم الأميركي لطبيعة لبنان الكيانيّة القائمة على إدارة التوازنات اللبنانيّة.
مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ الدّور الذي سيضطلع به العهد الجديد يكمن في عدم تكريس هذا الفهم الأميركي وتوامته مع مبدأ المحاصصة الذي لطالما دمّر لبنان وثقافته الكيانية.لأن التجربة اللبنانية أثبتت أن التسويات التي تؤجل قيام الدولة لا تنتج إلا أزمات مؤجلة.
السلام… الخيار الذي يفرضه منطق الدولة
منذ عام 1948 عاش لبنان على إيقاع الحروب أكثر مما عاش على إيقاع الدولة. جنوبنا ساحة، عاصمتنا مستباحة، وحدودنا معبر للمرتزقة الذين لم تكن يومًا مصلحة لبنان هدفهم. ولحظات غياب الحرب باتت حلمًا يرتجى، فيما المطلوب مفروض أن يكون السلام لا غياب الحرب. غير أن الفرق بين المفهومين كبير. أيّ استقرار قد تفرضه موازين ردع ولو وهميّة. وهذا ما عشناه في مرحلة ما بعد القرار 1701 والالتفاف على تطبيقه. بينما السلام لا يكون إلا بعودة القرار إلى الدّولة.
وهذا ما تدركه تمامًا الإدارة الأميركية. فهي لا تستطيع الطلب من لبنان الدّخول في مسار السلام المرتقب في ظلّ عدم وجود دولة سيّدة فيه. وهذا التقاطع المصلحي يجب الاستفادة منه لبنانيًّا. وباعتقادنا أنّ هذا سعي فخامة الرّئيس ليحقّق النّصر لخيار الدّولة. فلبنان لا يستطيع دخول عصر السلام في ظلّ التشارك السيادي لأنّ السلام الحقيقي لا يكون بتوقيع ورقة بين دولتين متنازعتين برعاية أمميّة. على اهميّة الشكل؛ لكن الجوهر يكون في الانتقال من منطق الساحات والجبهات إلى منطق الدّولة.
فبعد الاستقلال، ثم بعد اتفاق الطائف، ثم بعد انسحاب الجيش السوري، بدا لبنان في كل مرة أن الدولة على وشك الولادة، لكنها كانت تعود فتتراجع أمام الانقسامات الداخلية وتداخل المصالح الإقليمية. فإذا نجح لبنان في تحويل هذه اللحظة الدولية إلى مشروع وطني، فقد يكون لقاء واشنطن بداية عبوره من زمن إدارة الأزمات إلى زمن صناعة المستقبل الذي سيكون السلام بابه الوحيد لأنّ الوجود اللبناني نفسه لا يجد معناه الكامل إلا عندما يصبح السلام ثمرة السيادة، لا بديلاً عنها.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير