
باحث قانوني وكاتب سياسي
حين يصبح التشجيع موقفًا سياسيًا : المونديال بين كرة القدم و فلسطين
خاص بوابة بيروت
انتهى مونديال 2026 بتتويج إسبانيا بطلة للعالم للمرة الثانية في تاريخها، بعد فوزها على الأرجنتين 1-0 في النهائي، بهدف في الوقت الإضافي. لكن البطولة لم تنتهِ بالنسبة إلى كثيرين عند حدود الملعب.
فقد بدا، ولا سيما في العالم العربي، أن بعض الجمهور لم يعد يشجع منتخباً لأنه الأفضل، أو لأنه يضم لاعبه المفضل، أو لأن أسلوبه الكروي يستهويه؛ بل بات يختار فريقه وفق موقع حكومته أو لاعبيه المفترض من الصراع السياسي، وخصوصاً من القضية الفلسطينية وإسرائيل.
في النهائي تحديداً، لم تكن المعادلة عند بعض المشجعين: إسبانيا ضد الأرجنتين، بل فلسطين ضد إسرائيل. فقد ارتبطت إسبانيا في الوعي السياسي العربي بمواقف حكومتها المؤيدة للاعتراف بالدولة الفلسطينية والمنتقدة للسياسات الإسرائيلية، فيما جرى ربط الأرجنتين بمواقف رئيسها خافيير ميلي وعلاقاته الوثيقة بإسرائيل. وهكذا تحوّل النهائي، في جزء من الخطاب العام، إلى مواجهة رمزية تتجاوز كرة القدم نفسها.
هذه الظاهرة ليست جديدة تماماً. فالرياضة، ولا سيما كرة القدم، لطالما كانت أكثر من لعبة. المنتخبات الوطنية تحمل رموزاً للهوية، والقمصان تتحول إلى أعلام، والملاعب إلى مساحات لتعبير جماعي عن الانتماء. لكن الجديد هو اتساع نطاق «التسييس الشعبي» للتشجيع، بحيث أصبح اللاعب نفسه يُحاكم أحياناً لا على أدائه، بل على صورة سياسية تُلصق به، أو على موقف حكومته، أو حتى على موقف لم يعلنه أصلاً.
وهنا تكمن المشكلة. فليس من المنطقي، مثلاً، اعتبار كل لاعب أرجنتيني مؤيداً لسياسة حكومته، كما لا يجوز افتراض أن كل لاعب إسباني يمثل السياسة الخارجية لبلاده. وقد أشارت تقارير تناولت الجدل المحيط بنهائي المونديال إلى أن المنتخب الأرجنتيني ولاعبيه لم يتخذوا موقفاً جماعياً من الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، رغم أن بعض الجمهور ربطهم بسياسات الحكومة الأرجنتينية.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن المواقف السياسية للدول والرياضيين تؤثر فعلاً في الجمهور. فالمشجع العربي، وخصوصاً اللبناني، لا يعيش القضية الفلسطينية باعتبارها ملفاً خارجياً مجرداً. إنها قضية تاريخية وسياسية وإنسانية متداخلة مع ذاكرته الجماعية، ومع حروب المنطقة، ومع تجربة لبنان المباشرة. لذلك يصبح من الطبيعي أن يبحث عن تمثيلات رمزية لموقفه في الثقافة والرياضة والفن. ومن هنا يمكن فهم أن يتعاطف كثيرون مع منتخب أو لاعب لأنهم يرونه أقرب إلى قضيتهم.
من الناحية السوسيولوجية، يعكس هذا السلوك حاجة الجماعات إلى تحويل القضايا الكبرى إلى رموز يومية قابلة للتداول. فبدلاً من مناقشة نظام دولي معقد، أو حرب طويلة، أو سياسات حكومات متشابكة، يصبح القميص الرياضي أو نتيجة مباراة وسيلة بسيطة للتعبير عن موقف سياسي. التشجيع هنا يتحول إلى «اختيار هوياتي»: أنا أشجع هذا الفريق، إذن أنا أقف مع هذه القضية؛ وأنت تشجع الفريق الآخر، إذن أنت في الجهة المقابلة.
وهذا ما يجعل وسائل التواصل الاجتماعي عاملاً مضاعفاً للظاهرة. فالمنصات الرقمية لا تكتفي بعرض المباراة، بل تنتج حولها سرديات سياسية كاملة. صورة لاعب، تصريح قديم، زيارة، علم، أو حتى موقف حكومي، يمكن أن يتحول خلال ساعات إلى دليل اتهام أو شهادة ولاء. وهكذا يصبح اللاعب أحياناً أسيراً لصورة سياسية لم يخترها، ويصبح المنتخب محكوماً بموقف حكومة قد لا يكون له أي تأثير فيه.
في لبنان تحديداً، تزداد المسألة تعقيداً بسبب شدة الاستقطاب السياسي. فالجمهور لا يدخل إلى المباراة دائماً بصفته مشجعاً رياضياً فقط، بل يحمل معه انتماءاته ومخاوفه وخصوماته السياسية. لذلك قد يتحول الانتصار الرياضي إلى انتصار رمزي على «الآخر»، وقد تتحول خسارة فريق إلى مناسبة للشماتة السياسية. وتصبح كرة القدم، بدلاً من أن تكون مساحة مشتركة، امتداداً للاستقطاب القائم خارج الملعب.
غير أن الخطر الأكبر هو اختزال القضايا العادلة في ثنائية سطحية: هذا الفريق «مع فلسطين» وذاك «مع إسرائيل»، هذا اللاعب «جيد» وذاك «سيئ». فالقضايا الكبرى لا تُقاس دائماً بالقمصان، ولا تختصر الدول في حكوماتها، ولا يُحاكم الأفراد تلقائياً وفق مواقف السلطة التي ينتمون إلى جنسيتها.
لقد كان من حق الجمهور العربي والفلسطيني أن يجد في الموقف الإسباني سبباً للتعاطف، وقد عبّر فلسطينيون في غزة فعلاً عن دعمهم لإسبانيا بسبب مواقفها السياسية تجاه فلسطين. لكن من حق مشجع آخر أيضاً أن يشجع الأرجنتين بسبب ميسي، أو تاريخها الكروي، أو أسلوبها، من دون أن يتحول تلقائياً إلى مؤيد لسياسة الحكومة الأرجنتينية.
الخلاصة أن تسييس التشجيع ظاهرة مفهومة، لكنها تحتاج إلى وعي بحدودها. فالرياضة لا تنفصل تماماً عن السياسة، لكنها لا ينبغي أن تُبتلع بها. يمكن للمشجع أن يكون مؤيداً لفلسطين، وأن يرفض الاحتلال، وأن ينتقد حكومة ما، وفي الوقت نفسه أن يحب لاعباً أو منتخباً لا يتفق مع مواقف دولته.
أما تحويل كرة القدم إلى اختبار أيديولوجي دائم، فهو يفقدها شيئاً من جوهرها. فالمونديال، في النهاية، ليس محكمة سياسية للاعبين والمنتخبات، بل مساحة تكشف كيف تتفاعل المجتمعات مع السياسة والهوية والذاكرة. وقد يكون الدرس الأهم من مونديال 2026 أن الجمهور لم يعد يشاهد كرة القدم فقط؛ بل يشاهد نفسه أيضاً، بكل انقساماته وقضاياه وانفعالاته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير