بقلم قمر رشيد – #بوابة_بيروت تنشر #مشروع_ذاكرة، رغم مرور ست سنوات على جريمة تفجير #مرفأ_بيروت في #٤_آب ٢٠٢٠
@_amar_rashid
«نحن مش بخير يا قمر»… رسالة اختصرت وطنًا
«نحن مش بخير يا قمر.»
كانت تلك أول رسالة وصلتني.
في اللحظات الأولى للانفجار، شُلَّت الكلمات، وعجز العقل عن استيعاب ما يحدث. لم يكن همّي متابعة الأخبار أو معرفة حجم الكارثة، بل البحث عن أحبّتي. انهالت رسائلي إلى أصدقائي في بيروت، واحدةً تلو الأخرى، أتشبث بأي ردٍّ يبدد الخوف ويؤكد أنهم ما زالوا على قيد الحياة.
ثم جاء الرد الذي لم أكن مستعدةً له:
«نحن مش بخير يا قمر.»
لم تكن رسالة طمأنة.
كانت شهادةً على انهيار مدينة… ووصفًا لوطنٍ كامل.
في تلك اللحظة، فهمت أن أحدًا لن يكون بخير بعد اليوم. حتى الذين نجوا، لم ينجوا كما كانوا. شيءٌ ما مات فيهم إلى الأبد، وشيءٌ ما مات فينا جميعًا.
لم أكن في بيروت، لكن بيروت كانت في داخلي. شعرت وكأن الانفجار لم يهدم الحجر وحده، بل اقتلع من صدورنا آخر ما تبقى من شعورٍ بالأمان، ومن ثقةٍ بأن الغد قد يكون أقل قسوة.
في الرابع من آب، لم ينفجر المرفأ فقط.
انفجرت ثقة شعبٍ كامل بدولته.
وانفجر شعورنا بالأمان.
وانفجرت أحلام آلاف الشباب الذين كانوا يظنون أن الغد سيكون أقل قسوةً من الأمس.
ويومها، تمنيت أن أهاجر.
ليس لأنني كرهت لبنان.
بل لأنني شعرت أن لبنان لم يعد قادرًا على حماية أبنائه.
كبر في داخلي غضبٌ لا يشبه أي غضب، وحقدٌ على دولةٍ لم تُنصف أحدًا يومًا، ولم تُحاسب أحدًا، ولم تمنح أهالي الضحايا سوى الوعود، بينما ظلّت الحقيقة تدور في دهاليز السياسة، وكأن دماء أكثر من مئتي إنسان ليست كافية لتستحق العدالة.
كتب غسان كنفاني:
«الوطن هو ألّا يحدث ذلك كلّه.»
لكن ذلك كلّه يحدث.
يحدث أن ننام على خوف، ونستيقظ على خوفٍ أكبر.
وأن نعدَّ أسماء الراحلين أكثر مما نعدُّ أحلامنا.
وأن نتعلم، منذ طفولتنا، كيف نهرب، لا كيف نبني، وكيف ننجو، لا كيف نعيش.
أيُّ ذنبٍ نُدان به لنعيش أعمارنا بين حربٍ وأخرى، وبين انفجارٍ وآخر، وبين انهيارٍ وآخر، وبين جنازةٍ وأخرى؟
أيُّ خطيئةٍ ارتكبناها لنرث هذا القدر من الخوف؟
ماذا فعلنا لنورّث أبناءنا حقائب السفر بدل البيوت، والقلق بدل الطمأنينة، والحنين بدل الذكريات الجميلة؟
في لبنان، لم يعد الموت حدثًا استثنائيًا.
صار احتمالًا يوميًا.
فإن لم يأتِ بحرب، جاء بانفجار.
وإن لم يأتِ بانفجار، جاء بانهيارٍ اقتصادي.
وإن لم يأتِ بكل ذلك، جاء ببطءٍ قاتل، يسرق منا أعمارنا، وصحتنا، وأحلامنا.
ومع ذلك، يبقى اللبناني يحمل وطنه معه أينما ذهب.
يبكيه في المطارات، ويشتاق إلى شوارعه وهو يلعنها، ويحاول أن يشرح للآخرين لماذا لا يزال يحب بلدًا لم يمنحه يومًا ما يستحقه من أمان.
ستُّ سنواتٍ مرّت.
وما زالت صور الضحايا معلقةً في الذاكرة.
وما زالت بيروت تحمل ندوبها.
وما زال أهالي الضحايا ينتظرون عدالةً لا ينبغي أن تحتاج إلى كل هذا الوقت.
الوطن ليس علمًا نرفعه في المناسبات.
وليس نشيدًا نردده.
الوطن هو أن يشعر الإنسان أن حياته ليست رخيصة، وأن دمه ليس مجرد رقم، وأن العدالة ليست حلمًا مستحيلًا.
لأن الرابع من آب لم يكن يومًا انتهى مع انطفاء الحريق، ولا مع إزالة الركام، ولا مع مرور السنوات.
لقد أصبح تاريخًا يسكن ذاكرة مدينة، وقلب كل لبناني.
منذ ذلك اليوم، لم نعد نعد السنوات…
بل نعد كم بقي فينا من قدرةٍ على الاحتمال.
ولهذا، في الذكرى السادسة لانفجار مرفأ بيروت، لا نطلب المستحيل.
لا نطلب سوى الحقيقة.
لأن العدالة ليست انتقامًا.
العدالة حق الذين رحلوا، وحق الذين بقوا يحملون وجعهم كل يوم.
وهي أيضًا حقُّ الأجيال المقبلة، حتى لا ترث وطنًا اعتاد أن يدفن ضحاياه قبل أن يكشف الحقيقة.
ولأن الأوطان لا تُبنى فوق النسيان، ولا تُشفى حين يُدفن الحق مع ضحاياها، يعود السؤال نفسه:
ماذا زرعنا لنحصد كل هذا الخراب؟
وربما تكون الحقيقة الأكثر قسوة…
أننا لم نزرع شيئًا.
لكننا حصدنا أخطاءً لم نرتكبها، وفسادًا لم نصنعه، وحروبًا لم نخترها، وإهمالًا دفعنا ثمنه من أعمارنا وأحبّتنا.
وربما كان أصعب ما في هذه الذكرى…
أننا لم نعد نبكي الذين ماتوا فقط.
بل نبكي الذين نجوا.
فالذين رحلوا توقّف زمنهم في تلك اللحظة…
أما الذين بقوا، فما زالوا يعيشون الانفجار كل يوم.
وهذا، ربما، هو الوجه الآخر للمأساة: أن ينتهي الانفجار في دقائق، بينما يستمر أثره في أرواح الناس سنواتٍ طويلة.
وفي الحقيقة…
منذ ذلك اليوم، لسنا بخير.
ولا تزال تلك الرسالة، بعد ست سنوات، تختصر حكاية وطنٍ كامل:
«نحن مش بخير يا قمر.»
