
مدير التحرير
زمن تبديل القطارات
افتتاحية بوابة بيروت بقلم مدير التحرير د. ميشال الشمّاعي
الاستقطاب السياسي الذي بدا في إحياء الذكرى السادسة لتفجير مرفأ بيروت يكشف كلّ ما كانت تحاول منظّمة حزب الله ادّعاءه. فلا يمكن بعد اليوم القبول بأن تكون الدّويلة دولة، أو ألّأ تكون الدّولة دولة بحدّها الدنى. من غير المسموح أن يطلّ علينا أمين عام المنظّمة في هذه الذكرى الأليمة ليذكّرنا بسرديّات ما قبل الثامن من أكتوبر. فهل يدرك أنّ الزّمن تحوّل والقطار الذي وضعته منظّمته طوال نيّف وأربعين سنة على سكّة الحرب بات اليوم على سكّة السلام؟
تأكيد استمرار ” المقاومة”، “بالإذن من سعادة وزير الإعلام المحترم الدكتور بول مرقص” بعملها المعهود سابقًا، تحت مسمّى “الدّفاع عن لبنان”، هو تأكيد على إصرار منظّمة حزب الله بإفشال مساعي فخامة الرّئيس، وإمعانًا بإسقاط مخرجات روما “1”، وتفشيلًا لمخرجات روما “2” قبل صدورها. وما إصراره على الانسحاب الإسرائيلي قبل تسليم السلاح أو نزعه إلّا تأكيدًا على فداحة ما ارتكبه في إسنادين وثأر، أثبتت كلّها قصور استراتيجي إلى حدّ الغباء.
أمّا اعتباره بأنّ الضغوط السياسيّة أو العسكريّة لن تبدّل مواقفه هذه، فهذا يؤشّر إلى مدى انزعاجه من هذه الضغوط، وعدم قدرته ومنظّمته على تجاوزها بعد اليوم. لذلك يبحث عن مخرج من خارج الصندوق اللبناني. وقد يكون التهديد بالتدخّل السوري الدائم هو هذا المخرج. مع التأكيد على أنّ استمراره بما يقوم به، هو الذي قد يؤدّي إلى استجرار السوري كما فعل مع الإسرائيلي. الغباء نفسه ينتج النتائج نفسها.
وبالنسبة إلى احتفاله بانتصار محور إيران واعتبار التطوّرات الأخيرة بأنّها ساهمت أكثر في تعزيز موقع هذا المحور في المنطقة فيكفي أن نرى كم ساهم هذا التّعزيز في إعادة إعمار الجنوب اللبناني. أو حتّى كم ساهم هذا التعزيز بتفعيل الدّور في العراق. أو حتّى كيف انعكس استسلامًا لحماس بقبولها بتسليم سلاحها. فعلًا، لا ضير في أن يعيش هذا الرّجل خارج الزّمن، لكن أن يقنع اللبنانيين معه بذلك فبهذه تفاهة ما بعدها سذاجة.
وما استحضار الخطاب الديني مرّة جديدة إلّا دليل إفلاس سياسيّ، وإخفاق ميداني في محاولة لشدّ العصب المذهبي. لكن الواقع بات في مكان مختلف. أولا يوجد بقرب هذا الرّجل مَن يسدي له نصيحة بإجراء عمليّة تيويم “update” بسيطة، ولو بقوّة “2G” قد تنفعه للحفاظ على ما تبقى من مجتمع مقهور ومذلول نتيجة لما ارتكبه بحقّه.
لم يعد ينفع استحضار المرحوم نصرالله. فخطابه بات خارج الواقع السياسي. ولا منطق قد يقبل اليوم بما كان سائدًا قبل الثامن من أكتوبر. هذه التعبئة للجمهور ساقطة أمام موجات الهجرة التي تتنامى داخل هذه البيئة باتّجاه القارّة السوداء بحثًا عن كرامة فقدت على أرض الوطن. تحت ذريعة تأمين العزّة والكرامة. فبإمكان هذا الجمهور العريض أن يجد عزّته وكرامته في الدّولة اللبنانيّة بعيدًا من غيبيّات منظّمة محلولة عملًا بالدّستور.
فالقطار الذي استقلّته هذه البيئة طوال نيّف وأربعة عقود أوصلها إلى الموت. ومن تبقى ونفد بحياته عليه أن يستقلّ قطار الدّولة الذي انطلق باتّجاه السلام، إذا فعلًا أراد الحياة الكريمة في هذه الدّولة التي لن ترفض أحدًا إلّا رافضيها.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير