في الرابع من آب ?Que demande le peuple

بقلم عقل العويط

هذا السؤال أوجّهه، مباشرةً وعلنًا، إلى كلٍّ من رئيس الجمهوريّة ورئيسَي مجلسَي النوّاب والحكومة، والسلطتَين التشريعيّة والتنفيذيّة، والسلطة القضائيّة، والجهات المختصّة مجتمعين، طالبًا منهم أنْ يتفضّلوا بتقديم جوابٍ لائقٍ وعمليّ ونهائيّ. فقد آن أوان تقديم مثل هذا الجواب، عن تفجير الرابع من آب 2020، وموضوع دولة الفساد، والحرب والسلم، وسلاح “حزب الله”، وحياد لبنان وتحييده.

عبارة Que demande le peuple ؟ متجذّرة في الثقافة الفرنسيّة، حدّ أنّها صارت مثلًا دارجًا يُستخدم كلّما توافرت أسباب الرضا، ومعناها الحقيقيّ ماذا يمكن أنْ نطلب أكثر ممّا تحقّق لنا؟ وهي نشأت في الأساس من اللغة السياسيّة والمجتمعيّة القديمة التي كان فيها “الشعب” مرجعًا أعلى للشرعيّة، بوصفه صاحب الحقّ النهائيّ، ثمّ انتقلت إلى المجال اليوميّ، وفقدت معناها الأصليّ والمباشر واكتسبت معنى مزدوجًا يجمع بين المرح والسخرية.

العبارة هذه، في اللبنانيّة الدارجة، تُعَرَّب “شو بدّو الواحد أكثر من هيك؟”، وتُقال إمّا دلالةً على السخرية والمرارة والخيبة، وإمّا تعبيرًا عن الرضا “يضحك بعبّو”.

لكنْ في واقعنا العموميّ الحاليّ، لا شيء ممّا في نفوسنا وعقولنا وأجسادنا، وممّا يعتري وجودنا وعيشنا وجيوبنا، يحمل أحدنا على أنْ “يضحك في عبّه”. لا. ليس ثمّة ما يرضي المرء، بل الكثير مما يمعن في “تطليعه من ثيابه”، بمنعه من العيش الهنيّ، وبإهانته وقتله، حدّ الكفر بكلّ شيء، بكلّ أمل، وصولًا إلى طلب الموت الرحيم.

طرحتُ سؤال Que demande le peuple ؟ على الذكاء الاصطناعيّ في ذكرى ستّ سنوات على تفجير الرابع من آب، فأجاب: الشعب اللبنانيّ لا يطلب إعادة الزمن إلى الوراء، ولا إعادة الذين رحلوا إلى الحياة، ولا محو ذلك المساء الذي انكسر فيه وجه بيروت. إنّه يطلب أوّلًا الحقيقة. أنْ يعرف مَن جلب الموت إلى المرفأ، ومَن أهمل، وتستّر، وعطّل العدالة، وحمى المذنبين. ويطلب العدالة ثانيًا. لا انتقامًا، بل عدالة. لأنّ الأمم التي لا تُنصف ضحاياها تبقى أسيرة جراحها. ويطلب الكرامة لذكرى الضحايا. ألّا يتحوّل الذين ماتوا إلى أرقام في أرشيف النسيان، ولا إلى مادّةٍ في نزاعات السياسة. ويطلب دولةً تعترف بجريمتها إنْ أخطأت، وتحاسب مسؤوليها إنْ قصّروا، وتحمي أبناءها بدل أنْ تدفنهم.

وربّما، فوق ذلك كلّه، يطلب شيئًا واحدًا: أنْ يكون موت أولئك الضحايا آخر موتٍ مجّانيّ في لبنان.

يطلب الحقيقة، والعدالة، ودولةً تليق بموتاها. لأنّ شعبًا يُحرَم من الحقيقة، يُحرَم من المستقبل أيضًا.

ثمّ سألتُ الذكاء ماذا يطلب الشعب في مسألة “أبديّة دولة الفساد”، والمفاوضات بين لبنان وإسرائيل والمناطق التجريبيّة والحرب والسلم وسلاح “حزب الله” ؟ أجاب أنّ الشعب يطلب استعادة الودائع المنهوبة، واستئصال الفساد والفاسدين، وعودة لبنان إلى اللبنانيّين، فيكون قرار الحرب والسلم لبنانيًا، وتكون الدولة هي المرجع الأعلى الذي لا يعلوه مرجع في الشأن الوطنيّ. وأنْ يتوقّف استخدام أرضه وشعبه واقتصاده ومستقبله وسعادته ساحةً لصراعات الآخرين التي تتجاوز حجمه وإمكاناته.

إنّه لا يطلب الاستسلام لأحد، ولا التبعيّة لأحد. بل أنْ يخرج من موقع الساحة إلى موقع الدولة. وأنْ يعيش في بلدٍ يعرف إلى أين يريد أنْ يذهب، بدل أنْ يبقى رهينة الجهات التي تريد الذهاب به إلى حيث تشاء.

? Que demande le peuple

يريد دولة “طبيعيّة”. والتحييد والحياد. ونهائيًّا. وإنْ تطلّب الأمر من المسؤولين “والأمم المتّحدة ومجلس الأمن” – إذا أعيتهم الأجوبة – إعلان لبنان دولةً فاشلةً، بما قد يستدعيه ذلك من فصلٍ سابع، و- موقّتًا – “وضع اليد عليه” أمميًّا.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك