#تانغو الاستسلام والاستنزاف

إيران لا تفاوض من أجل "حزب الله" بل لتحريرها اقتصاديًّا

#إيران لا تفاوض من أجل “#حزب_الله” بل لتحريرها اقتصاديًّا

افتتاحيّة #بوابة_بيروت بقلم مدير التحرير د. ميشال الشّمّاعي

من روما إلى طهران، فواشنطن وبيروت وتلّ أبيب، دخلت المنطقة في رقصة التانغو بين الاستسلام والاستنزاف. يبحث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن وسيلة لإجبار إيران على الاستسلام من خلال إنهاكها. في المقابل، تبحث إيران عن كيفية رفع قدراتها الاستنزافية للولايات المتحدة عبر مضيق هرمز من جهة، وتمسّكها بالبرنامج النووي من جهة ثانية، بهدف واحد لا غير، وهو التحرير الاقتصادي.

إيران لا تفاوض من أجل حزب الله بل لتحريرها اقتصاديًّا

يخطئ من يظنّ أنّ سعي إيران هو الضغط على «روما 2» للخروج بمخرجات تريح ذراعها اللبنانية، أي منظمة حزب الله. فبالنسبة إلى الإيراني، يبقى الهدف واحدًا في كل ما يجري اليوم مع الولايات المتحدة، وهو: “التحرير الاقتصادي.”

ذلك لأنّ الحرس الثوري، الحاكم الفعلي في إيران اليوم، يدرك تمامًا أنّه لن يستطيع الاستمرار تحت الضغط الأميركي ما لم يصل إلى عملية تحرير اقتصادي تكون المنطلق لإعادة ترتيب الدور الإيراني في المنطقة.

ولعلّ هذه المقاربة تُذكّر، إلى حدّ بعيد، بالمرحلة التي أعقبت انتهاء الحرب العراقية – الإيرانية عام 1988، حين اضطرّت طهران إلى إعادة ترتيب أولوياتها الداخلية قبل استئناف مشروعها التوسّعي الإقليمي بصيغ جديدة.

من جهة ثانية، حتى الساعة، لا تقدّم إيران شيئًا لأميركا. فهي تريد فكّ الحصار عن أصولها المجمّدة وتحرير أموالها. أمّا مضيق هرمز، فحلّه بالنسبة إليها سيكون مع سلطنة عُمان، لا مع الولايات المتحدة، بما يسمح لها بالمحافظة على ورقة ضغطها الاستراتيجية على واشنطن.

إدارة أميركية بين مدرستين

ويتخبّط ترامب أميركيًا بين رأيين داخل إدارته:

– الأول يقوده نائبه جي دي فانس، الذي يحاول تلافي أي عمل عسكري، بحثًا عن صفقة، انسجامًا مع طروحات ستيف ويتكوف. وهذا ما سيؤمّن لإيران مزيدًا من الوقت لتحقيق المزيد من الاستنزاف للولايات المتحدة.

– أمّا الرأي الثاني، فيستند إلى طروحات كلٍّ من ماركو روبيو وبيت هيغسيث، ويدعو إلى الاستمرار في الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، ورفع مستوى العقوبات، وصولًا إلى فرض استسلام كامل.

وعدا ذلك، لا يبدو أنّ الأمور ستصل إلى أي حلّ إلا عبر إحدى هاتين القناتين. لكن لماذا يتجنّب ترامب الضربة القاضية؟

فالرئيس الأميركي، تحت الضغوط التي يمارسها عليه الشارع الديمقراطي في الولايات المتحدة، يتجنّب الوصول إلى الضربة القاضية، لأنّها ستكون حتمًا مكلفة من الناحيتين الاقتصادية والإنسانية. ولا يبدو أنّ تصريحات ترامب حول امتلاك الولايات المتحدة المخزون الكافي من النفط ستخفّف من النقمة الداخلية عليه.

وهذه المعادلة ليست جديدة في السياسة الأميركية، إذ غالبًا ما اصطدمت الإدارات المتعاقبة بمعادلة الكلفة الانتخابية مقابل الكلفة العسكرية، من فيتنام إلى العراق، وصولًا إلى مقاربة الصراع مع إيران اليوم.

ساعة الصفر… قرار سياسي لا عسكري فقط

ولأنّ هذا العقل دخل السياسة من بوابة الأعمال والاقتصاد، فهو يسعى، حتى الساعة، إلى التوفيق بين الرأيين. لكن الوقائع الميدانية، من لبنان إلى طهران مرورًا بالدول العربية والعراق، لا تنبئ بأنّ الرئيس الأميركي سيستجيب كليًا لرأي نائبه، بل يبدو أنّه يبحث، مع وزير خارجيته ووزير دفاعه، عن توقيت ساعة الصفر، حتى تكون هذه الساعة في خدمة الاستحقاق الانتخابي المقبل.

فالقرار العسكري، في التجربة الأميركية، لم يكن يومًا قرارًا ميدانيًا صرفًا، بل كان في معظم الأحيان امتدادًا لحسابات السياسة الداخلية، ولا سيما في السنوات التي تسبق الاستحقاقات الرئاسية أو النصفية.

جنوب لبنان… امتداد للمواجهة الكبرى

ولا تبدو الساحة في جنوب لبنان منفصلة عن الرأي الذي يقوده روبيو، وذلك لأنّ الإسرائيلي عاد إلى ضرباته الميدانية، انطلاقًا من إنذار المنصوري، وضربات “مجدل زون” من البحر، بعد وقوع انفجار ناجم عن عبوة ناسفة في أحد المباني، أسفر عن مقتل رائد ورقيب، إضافة إلى إصابة أربعة من جنود الاحتياط الإسرائيليين.

وهذا يعيد إلى الأذهان أنّ الجنوب اللبناني لطالما شكّل صندوق بريدٍ للصراعات الإقليمية، بحيث تتحوّل أيّ مواجهة فيه إلى رسالة تتجاوز حدوده الجغرافية نحو طهران وواشنطن معًا. وهذا ما يؤشّر إلى سقوط مخرجات روما 1 و2.

الشرق الأوسط على أبواب الولادة القيصرية

ذلك كلّه يؤدّي إلى نتيجة واحدة، مفادها أنّ المنطقة باتت في المرحلة الأخيرة من المخاض الذي يسبق ولادة الشرق الأوسط الجديد، وهي ولادة لا يبدو أنّها ستكون أقلّ من ولادة قيصرية وقسرية.

وكما أعادت اتفاقية سايكس – بيكو رسم خرائط النفوذ بعد الحرب العالمية الأولى، ثم أعادت الحرب الباردة إنتاج توازنات جديدة، يبدو أنّ المنطقة تقف اليوم أمام محاولة ثالثة لإعادة هندسة موازين القوى، ولكن هذه المرّة تحت ضغط الاقتصاد والعقوبات بقدر ما تحت ضغط السلاح والحروب. فهل سينقذ الحسم الإقتصادي المنطقة من ويلات الحرب الكبرى؟ أم أنّ ساعة الصفر قد اقتربت وانتهت رقصة التانغو هذه؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك