
كاتب
نداء إلى الحكومة والى “نواب الشعب” : عودوا عن قرار رفع رواتب النواب
تعمدتُ استخدام صيغة الامر في مخاطبة “نواب الشعب” والحكومة. التزمت بما يقوله الدستور بأن الشعب هو مصدر السلطات، ولأنني من الشعب، قررت استخدام سلطتي، مع الامل بانضمام مواطنين آخرين إلى ندائي.
من بين النواب والوزراء افراد اقدّر مواقفهم بشكل عام وآخرون اعارض مواقفهم بشدة. لكني في هذا النداء اخاطب الجميع، مع اعتذاري المسبق من الذين لم او لن يوافقوا على القرار، اذ لم تُذكر أسماؤهم في الإعلام، وكأنه لم يعترض احد حتى الآن. اما ان يبادر النائب أديب عبد المسيح الى التبرع براتبه الجديد لتعليم اولاد العسكريين، فهذا عمل جيّد لكنه لا يلغي خطأ إقرار الزيادة.
اتناول الموضوع من منظور الحق او عدم الحق بالزيادة، ليس فقط لإعتباره المدخل القانوني لمقاربة مسألة الاجور بشكل عام، بل أيضا لأن المعنيين هم المشرّعون والمفترض ان يكون القانون شغلهم الشاغل. أضف الى ذلك ان الزيادة المرتقبة ستُقر عن طريق مرسوم يصدر عن الحكومة التي يرأسها قاضٍ دولي من المفترض ان يكون حريصا على تطبيق القوانين واحترام الحقوق.
بحثتُ عن حجة مقنعة، معيشية او اقتصادية او قانونية او وطنية او اخلاقية، لتبرير زيادة رواتب النواب من احتياطي الموازنة وبمرسوم حكومي، فلم أجدها. فالحق بالمطالبة بزيادة الرواتب ينتج عادة من ثلاثة اعتبارات: غلاء المعيشة، زيادة ساعات العمل او تعديل في تنظيم العمل، زيادة في الأرباح.
زيادة حوالي ٦٧ بالمئة على رواتب النواب (من 3000 الى 5000 دولارا) لم تكن نتيجة تطبيق مؤشر غلاء المعيشة صادر عن لجنة المؤشر ويطُبّق على سائر الإجراء. لا سيما وانه في السابق، واستناداً إلى القانون 717/98 (الخاص برفع الحد الأدنى للرواتب والأجور وتعديل أسس احتساب التقاعد)، ونتيجة الزيادات التي استفاد منها القطاع العام، جرى رفع راتب النائب إلى نحو 1500 دولارا، أضيف إليها 1500 دولارا أخرى من «صندوق تعاضد مجلس النواب» الذي تموله الدولة من الضرائب، ليصبح مجموع راتب النائب 3000 دولار شهرياً؛ اتعاب النواب بمعنى كمية العمل لم تشهد تزايدا، لا من حيث ساعات العمل ولا من حيث النوعية، حتى يحصلوا على زيادة في بدل هذه الاتعاب؛ لم يقر النواب قوانين تعيد للمودعين أموالهم او تؤدي إلى زيادة في نمو الاقتصاد الوطني، حتى يستحق النواب مكافأة مالية مثلاً او نسبة مما حققوه.
اما في ما يتعلق بمصدر التمويل، فإحتياطي الموازنة مخصص للقضايا الطارئة، والنازحون كما الإجراء المتضررين من الحرب هم أحق من النواب في الحصول على دعم مالي من هذا الاحتياطي؛ الا اذا اعتبرنا النواب من الفئات المهمشة على المستوى المعيشي وهم يحتاجون الى دعم طارىء، وهذا ما يتناقض مع واقع ان معظم النواب هم من الفئات الميسورة.
إضافة الى ذلك تطرح مسألة زيادة رواتب النواب، قضية المساواة بين العاملين في القطاع العام، اذ لا يجري معاملة موظفي القطاع العام بالمثل، لا من حيث حجم الزيادة ولا من حيث طريقة دفعها(بالتقسيط للموظفين ودفعة واحدة للنواب)، وهذه ممارسة طبقية فاقعة. مع العلم أن راتب النائب بعد الزيادة ستشكل 17 ضعفاً للحد الادنى للاجور الذي يبلغ 300 دولارا، و اكثر من 7 اضعاف لمتوسط الأجور في القطاعين العام والخاص والذي يبلغ حوالي 700 دولارا.
وأخيرا ان الزيادة المطروحة ستأتي عن طريق إقرار مرسوم حكومي، فيما يُجمع الكثير من الخبراء في القانون على أنه يجب ان تتم عن طريق اصدار قانون.
لا يمكن لحكومة تعرّف عن نفسها ب” حكومة الإصلاح والانقاذ” وتحاول جاهدة لإقناع المواطنين بأنها منخرطة في مشروع إعادة بناء الدولة على اسس من العدالة وحكم القانون، ان تصدر مرسوما يفاقم من اللاعدالة بين المواطنين ويكرس نهجا طبقيا وقحاً عن طريق مخالفة القانون؛ كما لا يمكن لنواب ميسورين، أن يقدموا على زيادة رواتبهم في ظل تفاقم البؤس في اوساط شعبهم، فهذا دليل على قلة حياء ونقص في التعاطف الانساني لا يجيزهما الا الطمع والجشع.
في غياب اي حجة مقنعة لإقرار هذه الزيادة للنواب، لا يبقى الا افتراض واحد لتبرير الزيادة وهو أن النواب والحكومة، وفي اجتهاد دستوري ألمعي، قد اعتبروا ان النواب، ولأنهم ينوبون عن الشعب، فعندما لا يقبض الشعب زيادة على اجوره، ينوبون عنه ويقبضونها هم. يا للهول!
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير