كوشنير في غزة… وطيفه في لبنان

خاص بوابة بيروت

لبنان دخل مرحلة انتظار تسوية إقليمية أكبر منه؛ إسرائيل تضغط بالنار، أميركا تتحرك بالسياسة، وإيران تفاوض تحت التهديد، فيما تحاول الدولة اللبنانية أن تجد لنفسها موقعًا على طاولة الترتيبات الجديدة قبل أن تُفرض عليها من الخارج؛ تزامنًا مع زيارة جاريد كوشنير من القاهرة إلى تل أبيب. هل المفاوضات الجارية هي فعلًا مسار لإنهاء الأزمة اللبنانية – الإسرائيلية، أم أنها مسار لإعادة هندسة لبنان أمنيًّا وسياسيًّا وفقًا لتوازنات إقليميّة جديدة؟ هل تحمل خطة كوشنير لغزة النموذج الذي تريد واشنطن تطبيقه لاحقًا في لبنان؟

تميّز لقاء القاهرة اليوم بين وفد حماس برئاسة خليل الحيّة وجاريد كوشنير كونه بعد الاتّفاق على نزع سلاح حماس. فأتى بهدف تحريك خطّة ترامب ذات النقاط الـ15 التي عمادها نزع سلاح حماس على أن يكون قابلًا للتحقّق والمراقبة، مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي من غزّة مقابل الانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار.

وما يدلّ عليه هذا اللقاء هو الاستراتيجية التي تعتمدها واشنطن في الشرق الأوسط. فهي لا تريد حربًا إقليمية مفتوحة، لكنها تريد تسويات تقوم على إعادة ترتيب ميزان القوى ونزع سلاح الفصائل المسلحة. ولكن هذا لا يعني أنّها ترفض الحرب المحلّيّة.

ولعلّ هذا ما يبرّر ما يحدث في لبنان تحديدًا. أي أنّ التصعيد الإسرائيلي في الجنوب يتزامن مع اللحظة نفسها التي يتحرك فيها الأميركيون لتثبيت ترتيبات جديدة. وقد رُصد اليوم ارتفاع واضح في النشاط العسكري الإسرائيلي جنوب لبنان، بينما كان قائد الجيش اللبناني يبحث مع المنسق العسكري الأميركي جوزيف كليرفيلد ترتيبات اتفاق الإطار.

أمّا عن لقاء كوشنير بنتانياهو بعد الحيّة فتختلف المصادر في تقييم نتائجه. فهنالك مصدر من “مجلس السلام” وصف الاجتماع بأنه منتج وأنّهما اتفقا على مسار للمضي قدمًا، فيما أفادت رويترز بأنه انتهى من دون اختراق كبير، مع استمرار الخلاف حول ترتيب الانسحاب ونزع السلاح. ما يعنيه هذا التضارب في المواقف عمليًّا أنّ الأمور لم تصل إلى نتائج ملموسة بل كلّ ما حصل لا يعدو كونه لقاءات شكليّة.

وهذا ما يبرع فيه الإسرائيلي ليحافظ لنفسه على هامش التحرّك العسكري، ولا سيّما مع تزايد القناعة السياسيّة الإسرائيليّة الأخيرة بضرورة استعمال القوّة المفرطة لاستثمار نتائج الميدان عسكريًّا في السياسة. وفي هذا السياق بالتّحديد، يتّضح من زيارة كوشنير ولقاءاته أنّ غزّة هي النّموذج، او قل المرآة التي يجب أن ينظر عبرها لبنان. فما بين التحرّك العسكري الإسرائيلي جنوبًا، والحراك الديبلوماسي، ولو من قبل الشخصيات العسكريّة على لبنان الدّولة أن يختار.

هذا التشابه في المسارين اللبناني والغزّاوي قد يدفع بالأميركي إلى طرح التقاء موفدين من قبل منظّمة حزب الله. وهذا اللقاء إن حصل ستنشط منظّمة حزب الله لتصوير هكذا لقاء انتصارًا موعودًا. لكن ذلك سيكون على غرار ما حصل مع حماس، هذا إن حصل، أي بعد استسلام منظّمة حزب الله. إلّا أنّ الوقائع الميدانيّة لا توحي بذلك إطلاقًا.

لذلك، على المسؤولين السياسيّين أن يقرؤوا جيّدًا ما بين سطور كوشنير والحيّة في ورقة غزّة. ولا سيّما أنّ الإسرائيلي يرفع تصعيده العسكري جنوبًا إلى المستويات القصوى ويلوّح بتنفيذ عمل عسكري ضخم. وهذا العمل إن وقع لن يكون في منطقة محدودة كما يصوَّر له؛ أي أنّه قد يقتصر على تلّة علي الطّاهر الاستراتيجيّة وحدها.

معادلة غزّة واضحة. لقد كانت مبنيّة على السلاح أوّلًا ثمّ الترتيبات الأمنيّة تمهيدًا إلى الاستقرار فإعادة الإعمار. وهذا هو العرض الذي قد يحمله كوشنير إلى لبنان. ولو أنّ÷ ليس على الأراضي اللبنانيّة الآن. ويستطيع لبنان أن يستفيد أكثر من غزّة بكثير في حال الدّخول مع الأميركي في هذه الصفقة لأنّ في لبنان دولة موجودة بحدّها الأدنى. فالوضع سياسيًّا لا يشبه وضع غزّة. زذ على ذلك أنّ اتّفاق الإطار موجود وهو نقطة متقدّمة جدًّا في المسار المستقبلي.

واشنطن تريد وقف الحروب، لكنها لا تريد العودة إلى الوضع الذي سبقها. تريد تسويةً تُغيّر المعادلة الأمنية نفسها. وهذا هو سبب أهمية زيارة كوشنير إلى المنطقة بالنسبة إلى لبنان، حتى لو لم يقل كلمة “لبنان” في لقاءاته. فحذارِ المزيد من اللعب على التناقضات في استعمال عامل الوقت، لأنّه لم يعد في صالح الدّولة في لبنان على وقع إعادة هندستها أمنيًّا وسياسيًّا وفقًا للتوازنات الإقليميّة الجديدة.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك