نزع السلاح الباب لإعادة تأسيس النّظام

خاص بوابة بيروت

ما من عاقلٍ إلّا ويدرك أنّ هذا النّظام المركزيّ الذي قام على المحاصصة الطائفيّة طوال هذه المئة ونيّف من عمر لبنان الكبير، هو نظامٌ ثبت فشله بالتجربة. ولا يمكن الاستمرار بالخطأ نفسه، لأنّنا نكون بصدد ارتكاب الخطيئة نفسها. مع العلم أنّ محاولة إنعاش الميثاق الوطنيّ بالوفاق الوطنيّ، لو طُبّقت كما كُتِبَ لها، ربّما لكانت نقلت لبنان الدولة إلى مرحلة متقدّمة، وأهّلته للمزيد من التحديث السياسيّ. لكنّ تجربة التحديث هذه بقيت ناقصة ولم تكتمل، فحدث ما حدث.

الحاجة إلى الجراحة

أمّا اليوم، وقد وصلنا إلى ما وصلنا إليه من انهيارات على كافّة المستويات، فبالتالي الحلول التي طُرحت في الماضي لم تعد مجدية. وبتنا اليوم بحاجة إلى مبضع الجرّاح لاستئصال الورم الخبيث الذي أدّى إلى دمار الهيكل. وعنيت هنا بالتحديد السلاح غير الشرعيّ الذي نشأ كالفطريّات على جذع الدولة، حتّى كاد أن يصيبه باليباس، لولا تلك الأعشاب الشوكيّة الخضراء التي استمرّت بوخزه حتّى أنهكته بدورها.

ضرورة الصيغة الجديدة

من هذا المنطلق، البحث في صيغة جديدة هو ضرورة كيانيّة للحفاظ على إرث الفكرة اللبنانيّة التي لطالما ناضل مختلف اللبنانيّين، كلٌّ من وجهة نظره، للحفاظ عليها. لكنّ الإشكاليّة لا تكمن فقط في البحث عن صيغة تتناسب مع تركيبة الوطن الكيانيّة، بل في ترتيب الأولويّات المؤهّلة لهذه الصيغة، مهما كان شكلها.

الدولة قبل التحديث

فلا يمكن الحديث عن أيّ عمليّة تطوير وتحديث للدولة وهي غير موجودة. وللوصول إلى الحدّ الأدنى من أيّ دولة، لا يمكن أن تتكوّن من جيشين مسلّحين، مع ما يقتضي ذلك من أجهزة معاونة لهذين الجيشين من عسكر وأمن وقضاء وشؤون اجتماعيّة واقتصاديّة، وكلّ مقوّمات بناء الدولة، بما فيها احتكار قرار الحرب والسلم كاحتكار العنف.

معضلة نزع السلاح

من هنا بالتحديد أدخلت معضلة نزع سلاح منظّمة حزب الله لبنان في مرحلة إعادة تعريف الدولة. وملف نزع السلاح لم يعد مسألة أمنيّة فقط، بل أضحى مسألة وجوديّة تحتّم على الدولة حسم أمرها اليوم، اليوم وليس غدًا؛ لأنّه إن لم تحسم الدولة أمرها اليوم، فالمؤشّرات كلّها تقول بأنّه لن يكون هنالك أيّ غدٍ. إمّا أن تستردّ الدولة قرار الحرب والسلم، وبالتالي تستعيد قرارها الاستراتيجي، أو لن تكون.

آلية لم تنضج

واللافت أنّ بيروت نفت مؤخرًا أنّها وافقت على قائمة دول تتولّى التحقّق من نزع سلاح منظّمة حزب الله، ما يعني عمليًّا على أرض الواقع أنّ حتّى آليّة تنفيذ الاتفاق لم تنضج بعد. وهذا يفضي إلى أنّ الدولة لم تقرّر بعد الدخول في عمليّة نزع سلاح منظّمة حزب الله. ولعلّ هذا ما طرح إشكاليّة جديدة حول المطلوب الحقيقي. هل هو نزع سلاح حزب الله، أم إعادة دمج قوّته ضمن منظومة الدولة، أم إعادة صياغة دوره السياسيّ والعسكريّ بالكامل؟

التصعيد الإسرائيلي

وهذا الواقع دفع الإسرائيليّ إلى المزيد من التصعيد الميدانيّ، مع إصراره على تسجيل نصر ميدانيّ في تلّة علي الطاهر. فالغارات التي قتلت 11 شخصًا في 15 آب كانت الأكثر دمويّة منذ الهدنة، بحسب التقارير، وجاءت بعد هجوم بطائرة مسيّرة نُسب إلى حزب الله. لكنّ الإسرائيليّ لا يزال يحرص حتّى الساعة على «الحرب المضبوطة» على إيقاع اللاسلام واللاحرب الشاملة. وذلك كلّه يتزامن مع الإصرار على استمرار المسار التفاوضيّ. وهذا النموذج قد يكون أخطر من الهدنة التقليديّة، لأنّه يسمح بتغيير الوقائع على الأرض تدريجيًّا.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك