
مدير التحرير
المنطقة الرّماديّة انتحار من نوع آخر
خاص بوابة بيروت
لم يعد السؤال اليوم عن حجم العلاقة بين حزب الله وإيران، بل عن معنى أن يُوصَف الحزب رسميًا في واشنطن بأنه «تنظيم إيراني إرهابي عابر للحدود» يعمل تحت سيطرة أو توجيه فيلق القدس، بحسب توصيف وزارة الخزانة الأميركية تصنيفه بموجب الأمر التنفيذي 13224 المعدّل. هذا توصيفٌ أميركيٌّ يضع الدولة اللبنانية أمام سؤالٍ أكثر إلحاحًا: إلى متى تستطيع السلطة البقاء في المنطقة الرمادية، بين واقعٍ يتبدّل وموقفٍ رسميٍّ يتجنب تسمية الأشياء بأسمائها؟
لكن الإشكالية لا تبدأ هنا، بل في بيروت: كيف يمكن للدولة اللبنانية أن تستمر في التعامل مع هذه الحقيقة بمنطق الرمادية؟ وإلى متى تستطيع السلطة أن تفصل بين حزبٍ يصرّ على هويته اللبنانية في الداخل، وبين توصيف دولي رسمي يربطه، قانونًا وسياسيًّا، بمنظومة عسكرية إيرانية إرهابيّة عابرة للحدود؟
إن أخطر ما في رمادية السلطة ليس أنها تؤجّل المواجهة، بل الصورة التي تثبتها للمجتمع الدّولي العازم على تنفيذ خططه للمنطقة. وهذا ما سيجعل لبنان يدفع ثمن هذا التناقض بين واقع قائم، وواقع تحاول السلطة أن تصطنعه. فباعتقاد السلطة أنّها تمارس حيادًا إيجابيًّا في عدم اعترافها بهذا الواقع. لكنّها في الحقيقة سقطت مجدّدًا في شرك الالتباس السيادي المفهومي، وتركت الدّولة التي تحاول بناءها معتقلة في المنطقة الرّماديّة.
كذلك، يُضاف إلى السلطة اللبنانيّة بعض الشخصيّات السياسيّة التي تعتبر نفسها رأس حربة في إسقاط المشروع الإيراني في لبنان. فحتّى هذه الشخصيّات لا زالت تتعاطى مع هذا الملفّ بحذر شديد. غير مفهوم لا بل غير مبرّر. فيما المطلوب قول الحقيقة مهما كانت صعبة. حزب الله بمختللف تفرّعاته هو حزب إيديولوجيّ إيرانيّ عامل في لبنان، وبأيادٍ تحمل الهويّة اللبنانيّة ولا تعترف بها، لا بل الأكثر تتباهى بانتمائها إلى ما هو أكبر من جغرافيّة الـ10452كم2 . هذه الرماديّة القاتلة لن تعيد السيادة إلى الدّولة اللبنانيّة.
ولا يخفي بعض المراقبين تخوّفهم من هذه المنطقة الخطيرة التي تمّ وضع لبنان الدّولة في وسطها، وسط هذه المتغيّرات الكبيرة التي تعتبر بمثابة زلزال جيواستراتيجي في المنطقة. فعدم مواكبة لبنان لهذا القطار التغييري سيعني حتمًا خروج القطار اللبناني عن مساره الطبيعي الذي حاول المجتمع الدّولي إعادته إليه بعد نيّفٍ وأربعة عقود. والمصالح الدّوليّة تتقاطع مع خطّ سكك التغيير هذه. فإن لم تنخرط الدّولة اللبنانيّة في هذا المسار طوعًا، فهي حتمًا ستخسر جوهر وجودها. ما يعني عمليًّا أنّ العهد برمّته أضحى بخطر وجوديّ.
ولن يجدي نفعًا الذهاب إلى الفاتيكان للصلاة، على أهمّيّة هذه الزيارة. يجب تصويب البوصلة. فالاتّجاه واشنطنيّ بامتياز ولا يمكن حرفه صوب الفاتيكان أو أوروبّا. فهذه المرحلة الاستراتيجيّة لا تشبه ما حصل في تسعينيّات القرن الماضي، وأدّى إلى إنتاج مسار أوسلو الذي تمّ إجهاضه لاحقًا. نحن بتنا في مسار جديد مختلف تمامًا عمّا حصل في الماضي.
لقد بات العالم بأسره مقتنعًا بألا سلام في الشرق الأوسط مع وجود ثنائيّات الميليشيات والدولة في عمليّة تشارك سيادي، ترجّح كفّتها باتّجاه الميليشيا وليس الدّولة. وهذا ما حدا بالولايات المتّحدة على تصنيف حزب الله على أنّه نظيم إيراني إرهابي عابر للحدود يعمل تحت سيطرة أو توجيه فيلق القدس في الحرس الثوري. وهذا يعني عمليًّا أنّ ما ينطبق على الحرس ينطبق على منظّمته في لبنان.
لا بل الأكثر من ذلك، فما ينطبق على استراتيجيّة التّعاطي مع النّظام الإيراني الحاضن للحرس الثوري سينطبق على الدّولة اللبنانيّة إن استمرّت في احتضانها لمنظّمة حزب الله بشكل أو بآخر. والأبعد من ذلك بعد، أنّ هذا كلّه سينطبق على أيّ طرف سياسي يقبع في خانة المحاباة والمسايرة والمماحكة السياسيّة. فالحسابات الخاصّة في هذه المرحلة يجب أن تسقط كلّها. فما ينفع الإنسان إن ربح نفسه وخسر بلده وكلّ تاريخه معه!
كما أنّ المعلومات المتداوَلة من نشطاء سياسيّين وإعلاميين حول الخرائط التي عُرضت في مفاوضات روما والتي تفيد أنّ هناك تلّة علي طاهر أخرى تحت قلعة بعلبك وفي جوارها، والأنفاق هناك وفي البقاع تمتدّ إلى جرود كسروان وجبيل والمختارة ليست بريئة إثارتها في هذا التوقيت بالتّحديد؛ بغضّ النّظر عن مدى صحّة هذه الأخبار. فهذا مؤشّر إضافيّ إلى اقتراب أجل المنظّمة وكلّ مَن يحاول تغطية مسارها في لبنان.
يبقى أنّ هذه المستجدّات كلّها، قد سرّعت وتيرة الميدان في علي الطّاهر أكثر من قبل. وهذا ما يفسّر تكثيف العمليّات الإسرائيليّة. في ظلّ تسريبات إعلاميّة صدرت من يومين تفيد بأنّ هذه المنشأة قد سقطت عمليًّا ولكنّ الإسرائيلي لم يعلن ذلك بعد لتحقيق مكاسب ديبلوماسيّة من سلّة الميدان التي ملأها.
في المحصّلة، خطاب الأمس لا يصلح اليوم. لذلك المطلوب تغيير الخطاب السياسي برمّته لمواكبة المستجدّات. ماذا وإلّا سيصبح لبنان السياسيّ وسياسيّيه خارج المدار السياسي في المنطقة. ومَن لا يحسِن قراءة المؤشّرات التي تتكاثر يومًا بعد يوم، لن يكون في قطار السلام القادم. ألا يستدعي ذلك كلّه الخروج من المنطقة الرماديّة ومواكبة حالة الحسم القادم في المنطقة، أقلّه بمواقف سياسيّة حاسمة لمنع الانتحار القادم؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير