خاص بوابة بيروت
مرّت سبع سنوات على ثورة 17 تشرين الأول 2019، وما زالت صورها حيّة في الذاكرة اللبنانية؛ لا بوصفها مجرد موجة احتجاج عابرة، بل باعتبارها لحظة وطنية نادرة استعاد فيها اللبنانيون قدرتهم على اللقاء خارج الاصطفافات الطائفية والمناطقية والحزبية.
ما زلنا نتذكّر مئات الآلاف من المواطنين، من مختلف الأعمار والمهن والانتماءات والمناطق، وهم يلتقون في الساحات تحت راية المطالب الاجتماعية والوطنية المشتركة. كان ذلك مشهداً افتقده لبنان طويلاً منذ اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، وأعاد إلى اللبنانيين، ولو لفترة قصيرة، الشعور بأنهم قادرون على الانتماء إلى وطن واحد، وعلى مواجهة منظومة سياسية واحدة، بعيداً من الحواجز التي أقامتها الطائفية والخوف وذاكرة الحروب.
نتذكّر اللقاء الرمزي بين أهالي عين الرمانة وأهالي الشياح، بما حمله من رغبة في تجاوز ماضي الصراع بين المنطقتين. ونتذكّر كيف استعادت طرابلس وجهها الوطني المشرق، بعد عقود من محاولات تشويه صورتها ووصمها بالإرهاب والتخلّف. لقد انتفضت عاصمة الشمال، وغدت ساحتها واحدة من أكثر ساحات الثورة حيوية، فالتقت أصواتها مع أصوات بيروت وصيدا وصور والنبطية وكفررمان والبقاع والجبل وسائر المناطق اللبنانية.
نتذكّر بإعجاب صمود الناشطين في صور والنبطية وكفررمان، وإصرارهم على البقاء في الساحات رغم ما تعرضوا له من اعتداءات وترهيب وقمع. ونتذكّر الحضور الواسع للنساء والطلاب، وللأطباء والممرضين والعاملين في القطاع الصحي بملابسهم البيضاء، إلى جانب المثقفين والفنانين والأساتذة وأصحاب المهن الحرة.
كما نتذكّر آلاف الكفاءات والفاعليات التي برزت من قلب التحركات، وفرضت حضورها بصدقها وصلابتها وقدرتها على المبادرة. كان كثير من هؤلاء قيادات فعلية صنعت شرعيتها في الميدان، لا في مكاتب الأحزاب ولا في مؤسسات السلطة.
وفي تلك الأيام، خشي أصحاب المصارف والنواب والوزراء وكبار المسؤولين الظهور العلني، بعدما صار الناشطون يلاحقونهم بالأسئلة والاحتجاجات في الشوارع والمطاعم والساحات العامة. وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، شعرت الطبقة السياسية بأن الناس لم يعودوا مستعدين للتعامل معها بوصفها قدراً لا يمكن تغييره أو مساءلته.
لكن الوفاء لثورة 17 تشرين لا يتحقق باستعادة مشاهدها الجميلة وحدها، ولا بتحويلها إلى ذكرى رومانسية منفصلة عن نتائجها. فالاعتراف بقيمتها الوطنية والأخلاقية لا ينبغي أن يمنعنا من مراجعة المعضلات التي واجهتها، وأضعفت قدرتها على الانتقال من الاحتجاج الواسع إلى مشروع سياسي واجتماعي قادر على فرض التغيير.
لقد توافق معظم مكوّنات الثورة على رفض منظومة السلطة وتحالف قوى الميليشيات والمصارف وأصحاب المصالح، لكنها اختلفت حول السياسات والبرامج البديلة. كان الاتفاق واسعاً على تشخيص الفساد والانهيار، فيما بقي الخلاف قائماً حول طبيعة الاقتصاد المطلوب، ودور الدولة، وحدود العدالة الاجتماعية، وكيفية توزيع الخسائر، ومستقبل النظام المالي والمصرفي.
واتفقت القوى المشاركة على وجود خلل عميق في النظام السياسي اللبناني، لكنها لم تتفق على كيفية معالجته. فهل يكون الحل بإصلاح النظام الطائفي من داخله، أم بإلغائه تدريجياً، أم ببناء دولة مدنية جديدة؟ وما الطريق الدستوري والسياسي للوصول إلى ذلك؟ بقيت هذه الأسئلة الكبرى معلّقة، ولم يتحول رفض النظام القائم إلى رؤية مشتركة للنظام البديل.
وظهر الاختلاف أيضاً حول موقع لبنان ودوره ووظيفته الاقتصادية والسياسية، وعلاقته بمحيطه العربي والعالم، وقضايا السيادة والسلاح والسياسة الخارجية. وهي مسائل لم يكن ممكناً تجاهلها، لأن الأزمة اللبنانية لم تكن مالية ومعيشية فقط، بل كانت أيضاً أزمة دولة وسيادة ونظام سياسي وهوية اقتصادية.
وكشفت الثورة ضعف الأحزاب العلمانية وغير الطائفية وتشرذمها، كما كشفت الهوة بين كثرة الأحزاب التي تدّعي تمثيل الطبقة العاملة والفئات الشعبية وبين ضآلة وجودها الفعلي داخل البيئات التي تزعم التعبير عنها. لذلك احتلت الطبقة الوسطى موقعاً بارزاً في التحركات، بينما بقي انخراط شرائح واسعة من العمال والفئات الأكثر فقراً دون المستوى الذي تتطلبه معركة التغيير الاجتماعي.
وقد نجحت بعض أجنحة السلطة في استغلال الفقر والحاجة والعصبيات الطائفية، فحرّكت فئات من المتضررين لمواجهة من كانوا يرفعون مطالب الدفاع عن حقوقهم. وفي المقابل، تحوّلت بعض أجهزة السلطة وأذرعها الحزبية إلى قوى منفلتة من القانون، استُخدمت للاعتداء على الناشطين وتخويفهم وإخلاء الساحات بالقوة.
وكان لضعف الهيئات النقابية والمؤسسات الأهلية وتشرذمها، وارتهان قيادات عدد كبير منها لأقطاب المنظومة السياسية، أثر بالغ في إضعاف الثورة. فقد غابت النقابات المستقلة القادرة على تنظيم الفئات الاجتماعية المتضررة، وربط الاحتجاج الشعبي بأشكال مستمرة وفاعلة من الضغط السياسي والاقتصادي.
أما مسألة القيادة، فكانت من أكثر القضايا إثارة للجدل. احتاجت الثورة إلى أطر تنسيق تستطيع التعبير عن مطالبها ومخاطبة السلطة والمجتمع، لكنها واجهت صعوبة في اختيار قيادة موحّدة تحظى بالثقة والشرعية. وقد دفع ذلك أصحاب خبرة طويلة في العمل السياسي والفكري، مثل الدكتور أحمد بيضون والدكتور فواز طرابلسي وآخرين، إلى تقديم آرائهم وملاحظاتهم. إلا أن بعض المشاركين تعاملوا مع تلك الآراء وكأنها تدخل في شأن يخص الموجودين في الساحات وحدهم، مع أن الثورة، بحجمها وآثارها، كانت شأناً وطنياً عاماً.
كنتُ يومها من غير المتحمسين للتسرّع في اختيار قيادة تمثيلية موحّدة. ولم يكن موقفي تأييداً للفوضى أو التشرذم، بل نابعاً من الخشية من أن يؤدي التنافس بين القيادات الطامحة، والجهات الداعمة لبعضها، إلى صراعات مبكرة على التمثيل والنفوذ. ففي ظل غياب المعايير الديمقراطية الواضحة، كان اختيار قيادة متسرّعة قد يعمّق الانقسام، ويفتح معركة على المواقع لا تكون مصلحة الناس دائماً هي الدافع إليها.
كذلك شكّل تعدد مصادر التمويل والدعم المقدَّم إلى عشرات المجموعات والمسميات إحدى مشكلات الثورة الأساسية. فقد ساعد المال السياسي على تضخيم أحجام بعض الأجسام بما لا يتناسب مع حضورها الشعبي الحقيقي، وزاد المنافسة غير الصحية بينها، وحوّل بعضها إلى أدوات مرتبطة بأجندات ومصالح ضيقة. ولم يضرّ ذلك بوحدة الحراك فقط، بل ألحق الضرر أيضاً بسمعته، ومنح خصومه ذرائع للطعن في استقلاليته والتشكيك بأهدافه.
إن الإشارة إلى هذه المعضلات ليست إدانة لثورة 17 تشرين، ولا تنكّراً لشجاعة المشاركين فيها، بل هي شرط لفهم تجربتها والاستفادة منها. فالثورات والحركات الشعبية لا تُخدم بتقديسها وإخفاء أخطائها، كما لا تُفهم باختزالها في مؤامرة أو بتحميلها وحدها مسؤولية الانهيار الذي صنعته منظومة حكم امتدت جذورها لعقود.
لم تكن ثورة 17 تشرين هي التي صنعت الأزمة اللبنانية؛ بل كانت انفجاراً شعبياً في وجه أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية وأخلاقية راكمتها السلطة، ثم جاءت كارثة الانهيار المالي والمصرفي لتؤكد عدالة كثير من المطالب التي رفعتها الساحات.
لقد نجحت الثورة في إسقاط حاجز الخوف، وكشفت عمق الغضب الكامن تحت سطح المجتمع، وأعادت الاعتبار إلى فكرة المواطنة العابرة للطوائف. كما أظهرت وجود جيل جديد يرفض لغة الزعامات الموروثة، ويطالب بدولة تحمي حقوق الناس وتصون كرامتهم وتخضع للمحاسبة.
لكنها لم تنجح في بناء ميزان قوى قادر على فرض التحول السياسي المنشود. فقد أثبتت التجربة أن الغضب، مهما كان واسعاً ومشروعاً، لا يكفي وحده لصناعة التغيير. فالتغيير يحتاج إلى رؤية واضحة، وبرنامج واقعي، وتنظيم ديمقراطي، وقاعدة اجتماعية واسعة، وقيادة مسؤولة وخاضعة للمساءلة.
إن المعضلات التي واجهت ثورة 17 تشرين لا تخصّ الماضي وحده. إنها أسئلة ينبغي مواجهتها منذ الآن، استعداداً لأي حراك وطني مقبل: كيف يمكن توحيد الناس حول برنامج بديل، لا حول رفض السلطة فقط؟ كيف تُبنى قيادة ديمقراطية منبثقة من القواعد؟ كيف تُحمى استقلالية الحركات الشعبية من المال السياسي والتدخلات الخارجية؟ وكيف يُربط مطلب بناء الدولة بمطالب العدالة الاجتماعية والسيادة واستقلال القضاء وحماية الفئات الفقيرة؟
بعد سبع سنوات، لا تزال ثورة 17 تشرين حاضرة في الذاكرة والوجدان. لم تحقق ما حلم به المشاركون فيها، لكنها لم تكن حدثاً عابراً، ولم تُمحَ آثارها من المجتمع اللبناني. لقد أظهرت أن الانقسام الطائفي ليس قدراً، وأن اللبنانيين يستطيعون اللقاء عندما يدركون وحدة مصالحهم ومصيرهم.
والوفاء الحقيقي لثورة 17 تشرين لا يكون بالاكتفاء بتمجيدها، ولا بإعلان موتها، بل بقراءتها بشجاعة، والاعتراف بإنجازاتها وإخفاقاتها، واستخلاص الدروس من تجربتها، حتى لا تتكرر الأخطاء ذاتها عندما ينهض اللبنانيون مجدداً للمطالبة بحقهم في الدولة والعدالة والكرامة.
