معلمو التعليم الرسمي يبنون جسورا وطنية

ليس الأساتذة بمنأى عن اللوثة المذهبية والطائفية، فمثلهم مثل المواطنين الآخرين، ينقسمون مذهبيا وطائفياً عند كل حدث سياسي او أمني.

في وقت تحولت فيه جلسة مساءلة الحكومة إلى مشاجرة بين نواب الأمة، وفي وقت تُستخدم فيه وسائل التواصل الاجتماعي كقنوات لتبادل الشتائم والأحقاد المذهبية والطائفية، وفي وقت تقصف فيه إسرائيل الجسور بين بلدات وقرى الجنوب، وترتفع مع قصفها الجدران بين القوى السياسية المذهبية، بادرت جمعية “وصل” برئاسة الدكتورة نسرين شاهين، الى اعداد وتنفيذ مشروع في مختلف المناطق اللبنانية، بدعم من المواطن المغترب السيد نبيل شرتوني، الذي قرر بناء جسر جوّي للسلام وليس للحرب، بين بلاد الاغتراب حيث يعيش، وبلده لبنان حيث كان يفضل أن يعيش. حمل المشروع عنوان: “جسور وطنية، من التضامن النقابي إلى التضامن الوطني”.

وقد اسعدني المشاركة في الاعداد للمشروع وفي تنفيذه، الى جانب الدكتورة نسرين شاهين، التي اختارت ان تكون الفئة المستهدفة، في المرحلة الأولى من المشروع، ألاساتذة المتعاقدين في التعليم الرسمي. وقد بدأ المشروع ببحثِ حول مواقف الاساتذة النفسية والمذهبية والوطنية، تلاه مجموعات مركزة وورش عمل.

لا، ليس الأساتذة بمنأى عن اللوثة المذهبية والطائفية، فمثلهم مثل المواطنين الآخرين، ينقسمون مذهبيا وطائفياً عند كل حدث سياسي او أمني.

لكن الاساتذة المتعاقدين، ورغم حساسياتهم المذهبية والطائفية التي لا يخفونها، نمت لديهم ايضا مشاعر أخرى من المحبة والرفاقية والحرص على بعضهم البعض، بفعل تجربتهم النضالية المشتركة. لقد اكتشفوا من خلال تجربتهم ما يُعرف في علم الاجتماع ب”التضامن الميكانيكي” و”التضامن العضوي”، واختبروا تنافس هذين النوعين من التضامن في دواخلهم. “التضامن الميكانيكي” هو التضامن بين المتشابهين عائليا أو عشائريا او مذهبيا ، و”التضامن العضوي” هو التضامن على أساس المصالح المشتركة في النقابات والروابط مثلا، والذي يولّده تقسيم العمل في المجتمع وترابط الوظائف وتكاملها وحاجة الواحدة للأخرى.

هم يعرفون أن “التضامن الميكانيكي” لا يزال في بلادهم أقوى من “التضامن العضوي”، لأسباب تاريخية وبنيوية، اقتصادية وسياسية. غير أنهم لم يستسلموا للواقع، وقرروا الانتقال من التضامن المذهبي إلى التضامن الوطني عن طريق بناء الجسور الوطنية بسواعدهم النقابية.

والجسور الوطنية ليست قفزا فوق الواقع، بل هي، مثلها مثل الجسور على الطرقات، تنطلق من الأرض أي من الواقع، لتعود إليه بعد أن تكون قد سهّلت التواصل، واختصرت المسافات، وسرّعت وصول البشر إلى بيوتهم وأعمالهم بسلام وأمان.

هكذا انطلقت الورش المختلطة مذهبيا وطائفيا من نقطة الاعتراف بالواقع وليس من إنكاره. اعترفت بالمخاوف الوجودية وبالقلق، وسردَ المشاركون مختلف “المظلوميات المذهبية” بصراحة وبجرأة، وسعوا إلى بناء الثقة فيما بينهم، والتي تسمح لهم بتبادل الاعتذارات قبل اتمام المصالحة مع الذات ومع الآخر. حتى عندما تعذر تمثيل بعض المذاهب في بعض المناطق بسبب تركيبتها المذهبية، جرت الاستعانة بممثلين عنها من مناطق أخرى، شاركوا بكل محبة وإقدام، غير مبالين بالساعات الطويلة التي قضوها على الطرقات.

إستنجَدَ الاساتذة بالعلوم الإنسانية، وخاصة بعلم النفس الاجتماعي، لفهم ولادة وتفاقم العدائية بين الجماعات، فتبيّن لهم الارتباط الوثيق بين العدائية وكون الجماعات في علاقة تنافس. وتذكّروا المحاصصة والصراع على السلطة وعلى المناصب بين المذاهب في بلادهم.

كما اكتشفوا خلال اطّلاعهم على نتائج الأبحاث أن العدائية بين الجماعات تصبح أقل حدة في حال وجود صداقات بين الافراد عابرة للجماعات، وان التواصل والتفاعل بين افراد الجماعات، يؤديان إلى إضعاف الأحكام المسبقة، شريطة أن يحصلا في وضع يكون فيه الأفراد متساوين في المكانة الاجتماعية.

أما التخفيف من حدة التوتر بين الجماعات بعد صراعاتها، فلا يتحقق إلا من خلال ابتكار مشروع مشترك بينها، وعدم الاكتفاء باللقاءات الودية أو الواجبات المشتركة أو ما شابه من أنشطة اجتماعية.

وفي محاولة منهم لفهم أفكارهم المسبقة والتحيّزات التي تنتج عنها، وصولا إلى شكل من أشكال العنصرية تجاه بعضهم البعض، اطّلع المشاركون على الأساس السيكولوجي لهذه المواقف، كما دلّت عليه أهم الأبحاث حول الموضوع، والتي بيّنت “أن التحيّز وما يرافقه من أفكار مسبقة هو، قبل كل شيء، تعبير عن شخصية تفتقر أساسا إلى الشعور بالأمان، أو شخصية مغتربة عن ذاتها. وهذه الشخصية، التي وُصفت بالشخصية السلطوية، عند الزعيم وعند من يتبع الزعيم على حد سواء، كبتت رغباتها خلال طفولتها، وهي ترى الحياة بوصفها مهددة، وتتصور العلاقات بين البشر حصرا من خلال صراعات القوة. وبسبب خضوعها لعلاقات أبوية هرمية وسلطوية، تعرضت خلالها للاستغلال، أصبحت تملك توجها نحو السلطة ورغبة في استغلال الآخرين.”

هذه الاستنتاجات تحيلنا مباشرة إلى التربية ودورها في تنشئة الأطفال في عائلاتهم والتلاميذ في مدارسهم، مما يبرز دور الأهل والأساتذة على حد سواء في الحد من احتمال اكتساب المواطنين للشخصية السلطوية التي توفر الأساس السيكولوجي للأفكار المسبقة السلبية والعدائية تجاه الجماعات الأخرى. وقد بدأ الأساتذة بالفعل بوضع الأسس لرؤية تربوية تبني عند التلاميذ شخصية مستقلة، حرة وغير متسلطة، ومنفتحة على الآخر المختلف.

والمدرسة الرسمية ليست فقط واحدة من هذه المدارس التي من المفترض الاعتماد عليها في تربية التلاميذ، بل هي من المؤسسات التي أُنشئت اساساً لتلعب دور الجسر التعليمي الوطني بين المواطنين جميعا من خلال تربيتهم على المواطنية الواحدة، لكنها للأسف جرت الهيمنة عليها من القوى المذهبية الفاعلة في مختلف المناطق اللبنانية، بحيث باتت تغذي عند التلاميذ الاتجاهات المذهبية والطائفية، في ظل شبه تواطىء من الدولة التي تواصل إضعاف المدرسة الرسمية من خلال سياساتها التربوية المعتمدة حاليا وفي السابق.

لم تكتفِ الورش بالاستفادة من العلوم الانسانية لفهم التقوقعات المذهبية والعمل على تجاوز ما ينتج عنها من عدائية بين الجماعات المكونة للوطن، بل حاولت مقاربة هذه العدائية على ضوء التطور التاريخي للعلاقات الفعلية بين الجماعات اللبنانية وكذلك على ضوء النظام السياسي القائم الذي يحكمها. وقد اقترح المشاركون أفكارا لتطوير العيش المشترك عبر تطوير النظام السياسي مركّزين على أولوية قيام دولة مدنية قوية وعادلة، وإن لم يكوِّنوا بعد فهما موحدا لمصطلح “الدولة المدنية” وما اذا كانت تختلف عن “الدولة العلمانية”.

بناء جسور وطنية يستلزم، بحسب اعتقادي، العمل على ثلاثة مستويات على الاقل: المستوى التربوي، وهو مستوى فكري- عاطفي- سلوكي؛ مستوى تشكيل المنظمات المختلطة مذهبيا وطائفيا او تفعيل عملها من أجل تحقيق أهداف مشتركة معيشية او غير معيشية، وهو مستوى مطلبي – اجتماعي- اقتصادي؛ مستوى طبيعة النظام السياسي وتطوير دور الدولة فيه، وهو مستوى اجتماعي- سياسي- وطني.

مشروع “جسور وطنية” ركّز على اهمية كل من المستويات الثلاثة، وهو يستعد لبلورة أهداف وانشطة المرحلة التالية من عمله، التي ستشمل فئات أخرى ومتنوعة: تلاميذ، اهل تلاميذ، مواطنين.

وحدها الجسور الوطنية هي طريقنا الى النجاة من الموت الوطني المحدّق بنا منذ نشأة لبنان الكبير، وعلى وقع انتصاراتنا المذهبية.

الأكثرية الساحقة من الاساتذة الذين طالهم البحث عبّروا عن تمسكهم بالانتماء للبنان، وأكثريتهم الساحقة أيضا افصحوا عن غضب شديد يعتمر في قلوبهم تجاه الاوضاع السائدة. هذا الغضب يمكن ان توظّفه الأحزاب السياسية في التجييش المذهبي، كما يمكن ان يشكل الطاقة الانسانية التي نبني من خلالها جسورا وطنية وننقذ وطننا ومعه حياتنا من الهلاك.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك