حين تصبح “حقوق الإنسان” شهادة لتبييض السجل…
من يمنح قائد "مغاوير البعث" جهاد بركات ألقاب السلام والتسامح؟
خاص بوابة بيروت
لم تعد المتاجرة باسم حقوق الإنسان ظاهرة هامشية يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد سلوك فردي أو استعراض على مواقع التواصل الاجتماعي. ففي الوقت الذي يشهد فيه العالم حروبًا ونزاعات وانتهاكات جسيمة، ويشاهد ملايين البشر يوميًا صور القتل والتهجير والتعذيب والاعتقال والقصف والتمييز، تتراجع لدى بعض المجتمعات الثقة بقدرة المنظومة الدولية على حماية الإنسان، خصوصًا عندما تعجز الحكومات والمؤسسات الدولية عن منع الانتهاكات أو محاسبة مرتكبيها.
وفي خضم هذا المشهد المؤلم، تظهر مشكلة أخرى لا تقل خطورة على سمعة العمل الحقوقي: جهات تتاجر باسم حقوق الإنسان، وتستخدم عبارات السلام والعدالة والتسامح، وتوزع شهادات وألقابًا براقة من دون أن تكون معاييرها أو مرجعيتها أو حتى طبيعة اعتمادها واضحة للرأي العام.
وهنا تصبح الإساءة مزدوجة.
فالضحايا لم يحصلوا على العدالة التي ينتظرونها، وفي الوقت نفسه قد يشاهدون أشخاصًا ارتبطت أسماؤهم بالعنف أو التحريض عليه يتلقون شهادات تحمل كلمات “حقوق الإنسان” و”السلام” و”التسامح”.
ومن أبرز الأمثلة التي تطرح أسئلة جدية حول هذه الظاهرة حالة جهاد إبراهيم بركات، القائد السابق لميليشيا “مغاوير البعث”، وصهر ديكتاتورية أل الأسد المتزوج من انتصار بديع الأسد، والذي تحيط به في الصور التي نشرها بنفسه سلسلة من الشهادات والأوسمة والألقاب، بعضها يمنحه “دكتوراه فخرية” في حقوق الإنسان والعلوم الإنسانية، وأخرى تتحدث عن السلام والتسامح وخدمة الإنسانية.
المفارقة هنا ليست ساخرة فقط.
إنها مؤلمة حقوقيًا.
من الدعوة إلى قتل الصغير والرضيع.. إلى التكريم باسم “حقوق الإنسان”
في أبريل/نيسان 2020، نشرت عدة مصادر سورية مضمون منشور منسوب إلى جهاد بركات دعا فيه إلى الانتقام من أهالي المعارضين في محافظة درعا. ولم تقتصر عباراته، وفق المصادر التي وثقت المنشور، على المقاتلين أو المسلحين، بل شملت صراحة “الكبير والصغير والمقمط بالسرير”.
هذا الخطاب وحده يفرض سؤالًا حقوقيًا بالغ الجدية عندما يوضع إلى جانب الصور التي نشرها بركات لاحقًا لشهادات تتحدث عن السلام والتسامح وحقوق الإنسان.
كيف يمكن لجهة تزعم العمل في مجال حقوق الإنسان أن تمنح تكريمًا يحمل اسم هذه الحقوق لشخص نُشرت عنه دعوة من هذا النوع؟
هل تحققت الجهة المانحة من سجل الشخص الذي تكرمه؟
هل اطلعت على تصريحاته العلنية؟
هل توجد لجنة مستقلة تراجع أسماء المكرمين؟
ما المعايير التي تجعل شخصًا ارتبط اسمه بقيادة تشكيل مسلح وخطاب يدعو إلى قتل عائلات الخصوم مؤهلًا للحصول على تكريم تحت عنوان “حقوق الإنسان”؟
هذه ليست أسئلة شخصية موجهة إلى جهاد بركات وحده، بل أسئلة ينبغي توجيهها قبل كل شيء إلى الجهات التي تمنح مثل هذه الألقاب باسم حقوق الإنسان.
شهادات كثيرة.. وأسئلة أكثر
إحدى الصور المنشورة تظهر شهادة تحمل اسم “المنظمة العالمية لحقوق الإنسان”، وتعلن منح جهاد إبراهيم بركات “دكتوراه فخرية في مجال حقوق الإنسان”، وتتحدث عن جهوده في “نشر روح التسامح والعدالة والقيم الإنسانية”.
وفي صورة أخرى تظهر شهادة تحمل اسم “كامبردج للعلوم والتكنولوجيا”، تمنحه “دكتوراه فخرية” في مجال العلوم الإنسانية.
وتظهر وثيقة أخرى تحمل اسم “تاج القدس”، وتتحدث بدورها عن “نشر الثقافة والعلم والفكر ونبذ العنف ونشر التسامح في خدمة الإنسانية والسلام حول العالم”.
وحتى قبل هذه الشهادات، كان لقب “الدكتور” حاضرًا في سيرة بركات. فقد نشرت مصادر سورية عام 2018 أنه عرض قبل ذلك بنحو عامين شهادة دكتوراه فخرية عن بحث بعنوان “العلاقات السورية الروسية”.
لكن القضية لا تتعلق بعدد الشهادات.
السؤال الحقيقي: من يمنح هذه الشهادات؟ ومن يقف خلف هذه الجهات التي لم يسبق لي أن سمعت بها أو تعاملت معها، رغم عملي في مجال حقوق الإنسان لأكثر من عشرين عامًا؟ وأين حضورها الفعلي وسجلها الحقوقي، وما هي مرجعيتها القانونية ومعاييرها في منح مثل هذه الألقاب؟
وجود شعار أو ختم أو توقيع، واستخدام كلمات مثل “دولي” و”عالمي” و”أكاديمية” و”حقوق الإنسان” على وثيقة ما، لا يجعل الجهة المصدرة تلقائيًا مؤسسة دولية أو أكاديمية معترفًا بها. كما أن إطلاق تسمية “دكتوراه فخرية” على ورقة لا يمنحها قيمة أكاديمية بحد ذاته، ما لم تكن صادرة عن جهة أكاديمية ذات صفة قانونية واضحة، ولها نشاط علمي موثق، وسجل مؤسسي معروف، وشبكة علاقات أكاديمية موثوقة، وتتبع معايير معلنة وشفافة في منح درجاتها وتكريماتها.
ولهذا فإن الجهات الظاهرة في الصور مطالبة، إن أرادت أن تقدم نفسها باعتبارها مؤسسات حقوقية أو أكاديمية جادة، بإظهار صفتها القانونية، واعتمادها، وآلية اختيار المكرمين، والمعايير التي استندت إليها عند منح جهاد بركات هذه الألقاب.
المفارقة الأكبر: قضية “شهادة جامعية مزورة” في سجل منشور سابقًا
الأكثر إثارة للتساؤل أن الجدل حول الشهادات في سيرة جهاد بركات ليس جديدًا.
ففي تحقيق نشره موقع صحيفة “زمان الوصل” في 25 يوليو/تموز 2018، قالت الصحيفة إنها اطلعت على سجل رسمي لجهاد إبراهيم بركات، وأوردت ضمنه مذكرة جنائية تعود إلى عام 2007 مرتبطة بقضية “شهادة جامعية مزورة”. وذكرت أن القضية مقيدة لدى فرع التزوير في دمشق.
وبحسب التقرير نفسه، يتضمن السجل المنسوب إليه قضايا أقدم تتعلق بالسلب وحيازة أسلحة وتهريب وسيارة مهربة ومخالفة جمركية وتشكيل عصابة أشرار. كما أورد التقرير وجود حكم صدر عام 1998 في قضية قتل قصد، بالحبس عشر سنوات مع الأشغال الشاقة والحجر والتجريد من الحقوق المدنية، وقال إن الحكم لم ينفذ.
هذه معلومات ننسبها بوضوح إلى المصدر الذي نشرها، ولا نحولها من جانبنا إلى أحكام قضائية جديدة.
لكنها تجعل واجب التدقيق على أي جهة تمنح صاحبها تكريمًا تحت عنوان “حقوق الإنسان” أكثر إلحاحًا، لا أقل.
حقوق الإنسان ليست مغسلة للسمعة
المشكلة الأساسية هنا تتجاوز شخص جهاد بركات.
فحقوق الإنسان ليست صناعة علاقات عامة.
وليست لقبًا يضاف قبل الاسم.
وليست صورة تُعلق خلف مكتب.
وليست ختمًا ذهبيًا أو شهادة مليئة بالشعارات الدولية.
حقوق الإنسان هي حقوق الضحية قبل أن تكون وسامًا على صدر المكرَّم.
وحين تمنح جهة تستخدم اسم حقوق الإنسان شهادة لشخص ارتبط اسمه بخطاب يحرض على قتل المدنيين أو عائلات الخصوم، من دون أن تشرح للرأي العام كيف أجرت التدقيق في تاريخه، فإنها لا تسيء فقط إلى مصداقيتها، بل تساهم في تشويه مفهوم حقوق الإنسان نفسه.
وهذه الظاهرة تكتسب خطورتها في زمن أصبحت فيه الثقة بالمؤسسات الحقوقية والدولية موضع تساؤل لدى قطاعات من الرأي العام.
فالناس يرون الحروب.
ويرون الضحايا.
ويرون أطفالًا يُقتلون ومدنيين يُهجرون ومعتقلين ومفقودين.
ويرون أحيانًا عجز الحكومات والمجتمع الدولي عن منع الجرائم أو تحقيق العدالة بالسرعة التي ينتظرها الضحايا.
ثم يأتي من يستغل اسم “حقوق الإنسان” ويوزع الألقاب والشهادات بطريقة تفتقر إلى الشفافية، فيضيف ضررًا جديدًا إلى الضرر القائم: تحويل القضية الحقوقية من رسالة للدفاع عن الإنسان إلى سوق للألقاب والوجاهة الاجتماعية.
من يدفع الثمن؟ الضحايا والمدافعون الحقيقيون عن حقوق الإنسان
أخطر ما تفعله هذه الممارسات أنها تمنح المشككين فرصة لخلط الجميع ببعضهم.
فتصبح منظمة حقوقية جادة توثق الانتهاكات وتجمع الأدلة وتدافع عن المعتقلين في نظر البعض مساوية لكيان مجهول يطبع شهادات “دكتوراه فخرية” ويزينها بالشعارات والأختام.
وهذا ظلم آخر.
ظلم للضحايا.
وظلم للمحامين والحقوقيين والصحفيين والباحثين الذين يخاطر بعضهم بحياته من أجل توثيق جريمة أو إثبات اختفاء معتقل.
وظلم للمنظمات الجادة التي تعمل سنوات لبناء ملفات يمكن استخدامها أمام القضاء.
فمن يتاجر بحقوق الإنسان لا يسيء إلى نفسه وحده؛ إنه يستهلك الثقة التي بناها آخرون بسنوات من العمل والتضحيات.
ليس كل من رفع شعار حقوق الإنسان حقوقيًا
يجب أن تصبح هناك ثقافة عامة واضحة في التعامل مع هذه الظاهرة.
اسم “منظمة دولية” لا يكفي.
وكلمة “عالمية” لا تكفي.
وشعار يشبه شعارات الأمم المتحدة لا يكفي.
وكثرة الأختام لا تكفي.
ووجود علم دولة أو خريطة للعالم أو حمامة سلام على الشهادة لا يمنح صاحبها صفة دولية أو أكاديمية.
المعيار هو التسجيل القانوني، والاعتماد، والحوكمة، والسجل الفعلي، والشفافية، وطريقة التمويل، ومعايير العضوية والتكريم، والأعمال التي أنجزتها المؤسسة بالفعل.
ومن حق الجمهور والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان أن يسألوا أي جهة تمنح شهادات كهذه: من أنتم؟ أين أنتم مسجلون؟ ما اعتمادكم؟ من أعضاء مجلس إدارتكم؟ ما معايير منح شهاداتكم؟ وكيف تحققتم من سجل الشخص الذي منحتموه تكريمًا باسم حقوق الإنسان؟
هذه ليست إساءة إلى العمل الحقوقي.
هذه هي حماية العمل الحقوقي.
مكان مجرمي الحرب ليس على منصات التكريم
وهنا يجب أيضًا التمييز قانونيًا بين الموقف الأخلاقي والحكم القضائي.
فصفة “مجرم حرب” بالمعنى القانوني النهائي تقتضي تحديد المسؤولية الجنائية الفردية أمام جهة قضائية مختصة، ولا ينبغي أن تمنحها مؤسسة إعلامية من تلقاء نفسها لشخص لم يصدر بحقه حكم بهذا الوصف.
لكن المبدأ الحقوقي لا يحتمل الالتباس: من تثبت مسؤوليته أمام القضاء عن جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، مكانه قفص الاتهام وتنفيذ الأحكام القضائية بحقه، لا منصات التكريم ولا شهادات السلام وحقوق الإنسان.
أما من توجد بحقه اتهامات أو أدلة أو تصريحات علنية خطيرة، فمن واجب المؤسسات التي تزعم العمل باسم حقوق الإنسان أن تتحقق من تلك الوقائع قبل منحه ألقابًا تستخدم اسم الضحايا والقيم الإنسانية.
وفي حالة جهاد بركات، لسنا أمام تاريخ مجهول بالكامل. فقيادته السابقة لـ”مغاوير البعث” منشورة في مصادر متعددة، وعلاقته بعائلة الأسد موثقة إعلاميًا، ودعوته عام 2020 إلى قتل أهالي المعارضين في درعا، بما شمل الصغار والرضع، نشرتها عدة مصادر سورية في حينها.
ثم تأتي الصور التي نشرها هو نفسه لتضع أمامنا مشهدًا يصعب تجاهل دلالته: الرجل ذاته محاط بشهادات “حقوق الإنسان” و”السلام” و”التسامح”.
لا تسيئوا إلى حقوق الإنسان باسم حقوق الإنسان
المعركة الحقيقية ليست مع شهادة ورقية ولا مع لقب “دكتور”.
إنها مع ظاهرة أخطر: تسليع حقوق الإنسان وتحويلها إلى وسيلة للوجاهة وتلميع السمعة.
في عالم فقد فيه عدد كبير من الضحايا الثقة بقدرة المؤسسات على إنصافهم، آخر ما يحتاج إليه العمل الحقوقي هو جهات مجهولة أو غير واضحة الاعتماد توزع ألقاب حقوق الإنسان بلا تدقيق ظاهر في تاريخ من تمنحهم إياها.
ومن يريد الدفاع عن حقوق الإنسان عليه أولًا أن يحمي اسمها.
أن يحميه من التجارة.
ومن الألقاب المشتراة أو غير المستحقة.
ومن المؤسسات التي تستخدم كلمات “دولي” و”عالمي” و”سلام” و”حقوق الإنسان” من دون أن يكون وراء هذه الكلمات عمل يوازيها.
وقبل تكريم أي شخص باسم الضحايا، ينبغي البحث في سجله.
وقبل منحه شهادة في “السلام”، ينبغي مراجعة خطابه.
وقبل كتابة عبارة “حقوق الإنسان” تحت اسمه، ينبغي السؤال عما إذا كانت ممارساته ومواقفه المعلنة تنسجم أصلًا مع أبسط مبادئها.
لأن أخطر إساءة لحقوق الإنسان قد لا تأتي دائمًا ممن يعلن عداءه لها؛ بل أحيانًا ممن يستولي على اسمها، ويطبع شعارها على شهادة، ثم يمنحها لمن كان الأولى أن يخضع سجله للتحقيق والمساءلة.
حقوق الإنسان ليست شهادة تمنح لتبييض التاريخ.
حقوق الإنسان هي حق الضحايا في ألا يُمحى تاريخهم بشهادة.
وفي النهاية، نضع أمام الرأي العام الصور والوثائق كما نُشرت، ونترك للقارئ أن يحكم بنفسه على قيمة هذه الشهادات، وعلى الجهات التي تمنحها، وعلى حجم التناقض بين العبارات المطبوعة عليها وبين السجل المنشور لمن مُنحت له. فالحقائق لا تحتاج إلى مبالغة، والصورة أحيانًا تقول ما تعجز عنه آلاف الكلمات.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير