الحماية الإجتماعية في لبنان : من إدارة الوجع إلى مسؤولية بناء الدولة

قراءة سياسية وتنموية في لقاء جامعة البلمند - سوق الغرب

خاص بوابة بيروت

قد تبدأ الأزمة الاجتماعية في لبنلن بفاتورة دواء لا تستطيع عائلة دفعها، أو بقسط مدرسي يتجاوز قدرتها، أو بشاب يبحث عن عمل ويعود كل مساء إلى السؤال نفسه: ماذا بعد؟ وقد تظهر في منزل مسنّ يعيش وحده، أو لدى امرأة تحمل مسؤولية الأسرة والعمل والرعاية، أو عند شخص ذي إعاقة يصطدم بحقوق لا يجد طريقاً عملياً للوصول إليها.

هذه التفاصيل هي المكان الذي تُختبر فيه السياسات العامة. هناك، بعيداً عن لغة الخطط والمؤتمرات، يتبيّن ما إذا كانت الدولة قادرة على حماية مواطنيها، وما إذا كانت برامجها تصل إلى من يحتاجها، وما إذا كان الإنسان يُعامل بوصفه صاحب حق.

من هذا الواقع، اكتسب اللقاء الحواري الذي دعا إليه النائب مارك ضو، بالتعاون مع جامعة البلمند في سوق الغرب، يوم السبت 3 تشرين الأول 2026، أهمية تتجاوز المناسبة نفسها. فاللقاء، الذي حمل عنوان «الحماية الاجتماعية في لبنان: الاستراتيجيات والآفاق»، جمع وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد، ومحافظ جبل لبنان القاضي محمد مكاوي والقائمقام بدر زيدان، ورؤساء بلديات ومخاتير وأكاديميين وممثلين عن الجمعيات وفاعليات محلية، في مساحة حوار مباشر أداره الأستاذ زياد عبد الصمد.

وكان السؤال الذي حملته مداخلات الحاضرين واضحاً: كيف تتحول الحماية الاجتماعية إلى عمل يشعر به الناس في حياتهم، في بلد أنهكته الأزمات الاقتصادية والحروب والنزوح وعدم الاستقرار؟

واقع مرير يتجاوز قدرة الأسرة على الاحتمال

تراكم الأزمات يغيّر حياة المجتمع من الداخل. حين يفقد الدخل قدرته على تأمين الأساسيات، تبدأ الأسرة بتأجيل حاجاتها: فحص طبي يمكن الانتظار بشأنه، علاج يُختصر، نشاط تربوي يُلغى، أو دراسة تصبح موضع قلق. ومع الوقت، يتحول التأجيل إلى حرمان، ويتحول الحرمان إلى شعور بالعجز والخوف من المستقبل.

ولا يمكن فصل هذا الضغط المادي عن أثره النفسي والاجتماعي. فالقلق على السكن والعمل والتعليم والصحة يدخل إلى العلاقات داخل البيت، ويستنزف قدرة الأهل على الرعاية، ويضيّق مساحة الأمل لدى الشباب. وفي حالات كثيرة، يتحمل فرد واحد عبء عائلة كاملة، فيما يحتاج هو نفسه إلى من يسنده.

أما الحرب، فتمتد آثارها إلى ما بعد توقف النزوح أو العودة إلى المنزل. فالعودة لا تضمن استعادة العمل، ولا تعالج الخسارة، ولا تعيد تلقائياً الاستقرار إلى طفل عاش الخوف أو إلى أسرة تغيّرت حياتها. لذلك، تحتاج الاستجابة الاجتماعية إلى متابعة تتجاوز لحظة توزيع المساعدة، وترافق الناس في استعادة قدرتهم على العيش والتعلم والإنتاج.

هنا يصبح الحديث عن الحماية الاجتماعية حديثاً سياسياً في صميمه: كيف توزّع الدولة مواردها؟ من تعطيه الأولوية؟ وكيف تضمن ألا يُترك الوصول إلى الحقوق رهينة العلاقات الشخصية أو النفوذ أو القدرة على رفع الصوت؟

عاليه : الخدمات يجب أن تتبع الناس

في كلمته، شدّد النائب مارك ضو على ضرورة توسيع برامج الحماية الاجتماعية وحضور مؤسسات الدولة في قضاء عاليه، وفق عدد المقيمين الفعليين وحاجاتهم، خصوصاً بعدما استقبلت المنطقة عائلات خلال الحرب وتحولت مناطق فيها إلى أماكن إقامة دائمة.

وهذه نقطة أساسية في التخطيط التنموي. فالشويفات وعرمون وبشامون ومدينة عاليه وسائر بلدات القضاء تحتاج إلى خدمات تتناسب مع الواقع السكاني الذي تعيشه. عدد السكان المسجلين وحده لا يكفي لتقدير الضغط على المراكز الاجتماعية والخدمات الصحية والتعليمية والبنية المحلية.

وحين تتغير خريطة الإقامة، يجب أن تتغير معها خريطة الموارد. وإلا، تبقى البلديات والجمعيات والأهالي أمام مسؤوليات متزايدة، من دون قدرة موازية على الاستجابة. العدالة بين المناطق تبدأ بمعرفة من يعيش فيها، وما يحتاج إليه، وما تستطيع المؤسسات الموجودة تقديمه بالفعل.

من الشؤون إلى التنمية : معنى سياسي يجب ترجمته

قدّمت الوزيرة حنين السيد رؤية تقوم على الكرامة والعدالة والحقوق الاجتماعية، وتجمع بين المساعدة والخدمات والإدماج الاقتصادي والتنمية المحلية. وأظهر العرض توجهاً من الرعاية إلى التمكين، ومن البرامج المتفرقة إلى منظومة متكاملة، ومن الاعتماد على التمويل الخارجي إلى مسؤولية وطنية أكبر، ومن معالجة الفقر إلى بناء مسارات للخروج منه.

وفي هذا السياق، جاء الحديث عن الانتقال من «الشؤون الاجتماعية» إلى «التنمية الاجتماعية».

هذا التوجه يحمل معنى مهماً، لكنه يحتاج إلى ترجمة في الموازنة والإدارة والخدمات. فتغيير الاسم يصبح ذا قيمة حين يرافقه تغيير في طريقة اتخاذ القرار، وتوزيع الموارد، وتقييم البرامج، وإشراك المجتمع.

والتنمية، في هذا الإطار، تعني أن يحصل الإنسان على دعم يحميه حين يحتاج، وعلى فرصة واقعية تعزز استقلاله حين يكون قادراً. كما تعني الاعتراف بأن بعض الأشخاص يحتاجون إلى حماية مستمرة، وأن الكرامة لا تُقاس بالقدرة على العمل وحدها.

أرقام وراءها حياة الناس

وردت في عرض الوزارة نسبة فقر بلغت 33%، وبطالة عامة بلغت 29% وفق مسح القوى العاملة المشار إليه، وبطالة شباب بلغت 48%. وهذه مؤشرات معروضة خلال اللقاء، وليست بالضرورة قياسات أُجريت في يوم انعقاده، لكنها توضح حجم التحديات التي استندت إليها المناقشة.

خلف كل نسبة هناك أشخاص يتخذون قرارات صعبة. شاب قد يفكر في الهجرة بعدما ضاقت أمامه الفرص، وامرأة قد تؤجل مشروعاً أو تدريباً بسبب مسؤوليات الرعاية، وأسرة قد تعجز عن تحويل التعليم إلى فرصة اقتصادية لأبنائها.

وتناول العرض أيضاً هشاشة أوضاع النساء، والعنف القائم على النوع الاجتماعي، وصعوبة وصول الأشخاص ذوي الإعاقة إلى الخدمات والاندماج، والحاجة إلى استجابة أكثر شمولاً لكبار السن.

هذه القضايا تتطلب سياسات مترابطة. فلا يكفي تدريب امرأة إذا لم تستطع الوصول إلى مكان التدريب أو تأمين رعاية أطفالها. ولا يكفي توجيه شخص ذي إعاقة إلى فرصة عمل إذا بقيت بيئة العمل والخدمات غير مهيأة لاستقباله. ولا يكفي تشجيع الشباب على المبادرة إذا كانت الأدوات والتمويل والأسواق بعيدة عن متناولهم.

«أمان» : أهمية الدعم وضرورة الثقة

بحسب الشرائح، يؤمّن برنامج «أمان» مساعدات لـ167 ألف أسرة من الفئات الأكثر ضعفاً، ويشمل برنامج البدل النقدي 33 ألف شخص من حاملي بطاقة الإعاقة. كما عرضت الوزارة دعماً لـ200 ألف أسرة خلال الحرب ضمن شبكة الأمان للاستجابة للصدمات. وهذه أعداد تخص برامج مختلفة، وقد يكون بينها تداخل.

حجم هذه البرامج يستحق الاهتمام، كما يستحق سؤال العدالة في الوصول إليها اهتماماً مماثلاً. فقد أثارت مداخلات في اللقاء مخاوف حول معايير الاستفادة، وحول احتمال حصول أشخاص أقل حاجة على الدعم، بينما تبقى عائلات شديدة العوز خارج التغطية. وهي مخاوف تحتاج إلى تحقق ومتابعة، ولا يجوز تحويلها إلى اتهامات مثبتة من دون أدلة.

لكن وجود هذه الأسئلة يكشف حاجة إلى مزيد من الوضوح. فالمواطن يحتاج إلى معرفة شروط الاستفادة، وطريقة تقييم طلبه، وسبب رفضه إن رُفض، وكيف يستطيع الاعتراض، والمدة التي ينتظر خلالها جواباً.

والشفافية تشمل حماية خصوصية المستفيدين أيضاً. المطلوب معلومات واضحة عن المعايير والنتائج وآليات الرقابة، مع صون كرامة الأسر وبياناتها الشخصية. بهذه الطريقة، تُبنى الثقة بين الناس والمؤسسات.

وبحسب ملاحظاتي من الحوار، أشارت الوزيرة إلى ارتفاع الاتصالات الواردة يومياً إلى أكثر من أربعة آلاف، وإلى تعزيز فريق الرد. وهنا تصبح المتابعة مسألة أساسية: هل ينتهي الاتصال بإرشاد واضح؟ هل يُحال الطلب إلى الجهة المناسبة؟ وهل يستطيع الشخص معرفة أين وصلت معاملته؟

الناشطون والجمعيات : معرفة الميدان يجب أن تصل إلى القرار

من أكثر ما أعطى اللقاء قيمته حضور الجمعيات والناشطين والعاملين في المجتمع المحلي. هؤلاء يحملون معرفة تنشأ من الاحتكاك اليومي بالناس: يعرفون الأسر التي لا تطلب، والأشخاص الذين يعجزون عن استكمال الإجراءات، والحالات التي تحتاج إلى إحالة سريعة، والفجوات التي لا تظهر بسهولة في التقارير.

وفي حملات الدعم التي تنطلق على الأرض، كثيراً ما يكون الناشطون أول من يلتقط الحاجة، وأول من ينظم التواصل والمساندة. تتشكل الاستجابة من اتصالات وزيارات وتطوع وثقة متراكمة، ومن أشخاص يفتحون أبوابهم ووقتهم لإسناد غيرهم.

لكن استمرار هذا العمل يحتاج إلى إطار يحفظ طاقاته ويزيد أثره. فالجمعيات والمتطوعون يحتاجون إلى أدوار واضحة، وتدريب، وآليات إحالة، وتنسيق يحمي المستفيدين من التكرار أو الضياع بين الجهات. كما يحتاج العاملون أنفسهم إلى دعم، لأن مرافقة الألم يومياً تستنزفهم.

السؤال الذي طرحته الجمعيات — كيف نكون جزءاً من هذه المنصة؟ — عبّر عن استعداد للمشاركة. وهو استعداد يستحق أن يُترجم إلى شراكة في تحديد الاحتياجات وتصميم الاستجابة ومراجعة نتائجها.

مراكز الخدمات : القرب من الناس مسؤولية يومية

عرضت الوزارة شبكة تضم 165 مركز خدمات، تقدم خدمات اجتماعية وصحية، ودعماً نفسياً وحماية، وتوعية ووقاية، وإدارة حالات وإحالات، ودعماً أسرياً ومجتمعياً.

هذه المراكز تستطيع أن تشكّل حلقة وصل أساسية بين المواطن والدولة. ويتوقف أثرها على قدرة فرقها على الاستقبال والإصغاء والمتابعة، وعلى توافر الاختصاصات والموارد، وسهولة الوصول إليها.

ومن المفيد أن تتحول العلاقة بين المراكز والجمعيات والبلديات إلى مسار عملي: من يتلقى الحالة؟ من يقيّمها؟ أين تُحال؟ ومن يتأكد من حصول الشخص على الخدمة؟ فالمواطن الذي يعاني لا يملك دائماً القدرة على التنقل بين جهات متعددة وإعادة شرح ألمه في كل مرة.

وقد أشار العرض إلى شراكات مع أكثر من 400 جمعية ومؤسسة رعاية على مستوى لبنان، إلى جانب الوزارات والجهات الدولية. وهذا التنوع يمنح المنظومة قدرة كبيرة، حين تكون المسؤوليات والنتائج قابلة للمتابعة.

التمكين يحتاج إلى اقتصاد يستقبل الناس

عرضت الوزارة مسارات للإدماج الاقتصادي تشمل العمل بأجر، والعمل الحر، والوصول إلى التمويل. وهذه مسارات مهمة، لكن نجاحها يرتبط بوجود فرص قابلة للاستمرار.

التدريب يحتاج إلى صلة بسوق العمل. ودعم مشروع صغير يحتاج إلى متابعة تساعد صاحبه على التسويق وإدارة الكلفة والاستمرار. والتمويل يحتاج إلى شروط يستطيع المستفيد فهمها وتحملها، حتى لا يتحول إلى عبء جديد.

أما التنمية المحلية، فتحتاج إلى معرفة موارد كل منطقة وإمكاناتها، وربط التعليم والتدريب بالحاجات الفعلية، وإتاحة الفرص للنساء والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة. هنا يصبح التنسيق بين الوزارات والبلديات والجامعات والجمعيات والقطاع المنتج جزءاً من سياسة تنموية واحدة.

من الحوار إلى التزام يمكن متابعته

أتاح لقاء سوق الغرب مساحة مهمة للإصغاء والمساءلة وتبادل الأفكار. ويستحق النائب مارك ضو وجامعة البلمند التقدير على جمع هذه الأصوات في حوار مباشر، كما تستحق رؤية الوزارة نقاشاً جاداً يواكب التنفيذ.

ويمكن البناء على اللقاء من خلال تعاون محلي يحدد الاحتياجات والفجوات، وينظم الإحالات، ويُوضح للناس كيفية الوصول إلى البرامج، ويتيح مراجعة دورية لما تحقق. فاستعداد الجمعيات للمساهمة يمثل مورداً مجتمعياً ثميناً، يحتاج إلى تنظيم واستمرارية.

من موقعي في التوعية الصحية والعمل المجتمعي، أرى أن حماية الإنسان تتطلب النظر إلى حياته كاملة: صحته، واستقراره النفسي، وأسرته، وتعليمه، وعمله، وشعوره بأنه مرئي ومسموع في وطنه.

وهذه مسؤولية سياسية وتنموية تستدعي مؤسسات تستمع، وإدارة تشرح قراراتها، ومجتمعاً يشارك، وموارد تُوزّع بعدالة. حينها يصبح الدعم باباً للأمان، وتصبح التنمية فرصة يستعيد من خلالها الإنسان قدرته على بناء حياته.

ما ينتظره الناس بعد هذا اللقاء هو أثر ملموس: طلب يُتابع، وخدمة تصل، وحق يُصان، وفرصة تُفتح. هناك تحديداً، في حياة المواطن اليومية، تُقاس جدية الدولة.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك